آخر الأخبار
الرئيسية / تقارير / الطاقة النووية.. أمل الزراعة وإدارة الموارد الطبيعية

الطاقة النووية.. أمل الزراعة وإدارة الموارد الطبيعية

كتب: د.رمضان عطية تنامت في العقود الأخيرة الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، حيث شملت تطبيقات الطاقة النووية  كافة المجالات التي تمس قطاعات اقتصادية واجتماعية متعددة، من الطب تشخيصاً وعلاجاً إلى الزراعة والصناعة وإدارة الموارد الطبيعية والبيئية، ويسلط هذا التقرير الضوء على التطبيقات النووية في العلوم الزراعية وأثرها على خدمة الإنسان والمجتمع.

يمكن تلخيص الاستخدامات التي يمكن استغلال الطاقة النووية الناتجة من المفاعلات النووية والشراكة بين المشاريع النووية والهيئات التنموية فى:

إنتاج المحاصيل:

1ـ التقنيات التي تستخدم النظائر, تعمل علي تحقيق المستوي الامثل لامتصاص المغذيات فى النباتات.

2ـ أساليب تحسين السلالات النباتية القائمة علي استخدام الاشعاعات تنتج سلالات.

مكافحة الآفات الزراعية:

1ـ تطوير وتطبيق تقنية الحشرة العقيمة بهدف مكافحة أو استئصال الأفات الحشرية الخطيرة التي تهدد المحاصيل والافات الزراعية, وتستهدف هذه التقنية علي وجه الخصوص الافات التي تسبب خسائر جسيمة.

2ـ أثبتت تقنية الحشرة العقيمة فعاليتها علي وجه الخصوص فى مكافحة عدة افات متصلة بـذبابة الفاكهة, بما فى ذلك ذبابة الفاكهة المتوسطية وشتي افات العثة وذبابة التسي تيسي والدودة الحلزرونية.

الصحة والانتاجية للحيوانات:

1ـ تم استحداث تقنيات بالغة الحساسية من شانها تحسين كفاءة خدمات التلقيح الاصطناعي التي توفر للمهتمين بتربية الحيوانات الزراعية.

2ـ تستخدم تقنيات اخري للاستدلال علي أمراض معينة مثل الطاعون البقري والحمي القلاعية والحمي المتموجة وغيرها من الافات التي تفتك بالحيوانات الزراعية ويمكنها ان تهدد البشر.

3ـ تقلل التقنيات التي تستخدم النظائر المشعة من تدهور حالة الاراضي ومن تلوث المياه الي اعلي الحدود وايضا تحسين خصوبة التربة.

4ـ التطبيقات التي تستخدم النظائر المشعة تحدث تقدما فى فهم العوامل التي تسبب تأكل التربة وتحدد ممارسات فعالة للحد من هذا التأكل.

أمان الاغذية:

1ـ أساليب ترمي الي فهم وتطبيق الجرعات الاشعاعية المثلي فى القضاء علي البكتيريا والحشرات والكائنات الاخري المسببة لتلف الاغذية ومسببة للامراض البشرية.

2ـ اعتماد أساليب لآخذ العينات وتحليلها لتحديد ومراقبة تلوث الأغذية بالنويدات المشعة ومبيدات الحشرات والعقاقير الطبية والسميات الفطرية.

الطاقة النووية والزراعة

تحتل مشكلة الغذاء وتأمينه للسكان المقام الأول بين المشاكل والتحديات العالمية، وتبرز هذه المشكلة خاصة في دول العالم النامي حيث يرتفع فيها معدل الزيادة السكانية على الرغم من النقص الواضح في الغذاء، ولعل قطاع الزراعة قادر على تأمين الغذاء بكميات كافية ونوعيات مميزة لمواجهة هذا النقص، وذلك بإتباع التقنيات الحديثة في العلوم المختلفة ومن أهمها العلوم النووية.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن زيادة الطلب على الغذاء لمواجهة الزيادة السكانية حتى عام (2050) يمكن أن تتحقق من خلال تحسين الممارسات الزراعية بحوالي (20%)، كما أن زيادة كفاءة التسميد يمكن أن تحقق زيادة قدرها (30%)، و تقليل الفاقد في ماء الري سيقدم حوالي (30%) أيضاً، والإقلال من الفاقد في المعاملات ما بعد الحصاد يمكن أن يقلل الفاقد بمقدار (20%). ولعل استخدام العلوم النووية وتقنياتها هو من أهم الوسائل في الحصول على نتائج دقيقة وسريعة في تلك المجالات، وذلك لعلاقتها بالعلوم الحديثة مثل الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية والتقنيات الحيوية.

لقد استطاع العلماء استخدام الخصائص النووية للنظائر المشعة في قياس ورصد مسائل كثيرة تتعلق بإنتاج الغذاء والمنتجات الزراعية الأخرى، حيث يستفاد من الإشعاع الصادر عن تلك النظائر على نحو خاص في زيادة كفاءة الأسمدة والري و الكشف عن العوامل المسببة للمرض. فعلى سبيل المثال: تستخدم النظائر المشعة في تغيير البنية الوراثية للنباتات والحشرات والكائنات الدقيقة بطرق تؤدي إلى إنتاج نباتي أفضل، ومكافحة أكثر رفقاً بالبيئة، وأغذية أكثر سلامةً وأماناً للإنسان ولها قابلية للتخزين والنقل.

ونستطيع تلخيص أهم تطبيقات الطاقة النووية في الزراعة بما يلي:

• إنتاج سلالات نباتية جديدة محسنة وراثياً: تعتبر مشكلة الهدر المستمر في المحاصيل الزراعية من المشاكل التي تؤرق الحكومات والمزارعين على حد سواء. وقد استطاع العلماء باستخدام النظائر المشعة من إنتاج سلالات نباتية جديدة مقاومة للأمراض وتمتاز بالإنتاجية العالية فيما يسمى بعملية التطفير، وذلك بإحداث تغيرات وراثية في جينات النباتات نتيجة تعريضها لأشعة جاما أو النيوترونات.

• ترشيد استخدام الأسمدة: نظراً لما تسببه الأسمدة من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على صحة الإنسان وعلى البيئة، بالإضافة إلى ارتفاع كلفتها، فلقد استطاع العلماء باستخدام الفسفور المشع من تحديد كمية السماد اللازمة التي يحتاجها النبات، مما يساهم في تقليل المضار ويساهم في تقليل الفاقد من السماد الغالي الثمن.

• سرعة نمو النباتات وتميز وغزارة الإنتاج: بينت الدراسات أن تعريض بذور النباتات لجرعات محدودة من الإشعاع يؤدي إلى سرعة نمو النباتات وإنتاج نباتات تتميز بكثرة الإنتاج وزيادة حجم الثمار.

• إبادة الآفات والحشائش: تعد الآفات الزراعية من أشد الأضرار التي تلحق بالمحاصيل الزراعية، وقد طور العلماء طريقة إشعاعية رائدة في مجال المكافحة من خلال تعريضها لجرعات إشعاعية صادرة من النظير المشع الكوبلت أو من خلال النيوترونات وأشعة بيتا، وذلك للقضاء على البكتيريا الضارة.

• التخلص من الحشرات الضارة: نظراً للأضرار الجسيمة التي تتركها المبيدات الحشرية على الغذاء والصحة العامة والبيئة، فلقد اتجه العلماء إلى التفكير بحلول بديلة ونظيفة بيئياً، وكانت إحدى هذه الحلول الجيدة هي استخدام الحشرات العقيمة، ويتم الحصول على هذه الحشرات من خلال تعريض ذكورها في طور الشرنقة المتأخر لجرعات محددة من الإشعاع، وذلك لجعلها عقيمة، ويكون ذلك من خلال أشعة جاما الصادرة عن النظائر المشعة السيزيوم والكوبلت، وقد نجح استخدام هذه الطريقة في الأردن للقضاء على ذبابة البحر المتوسط، إضافة إلى القضاء على حشرات المخازن التي تسبب خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية أثناء نقلها وتخزينها.

استخدام التقنية النووية في العلوم الزراعية

 كل شيء في الكون، النبات والحيوان والانسان والتربة والمياه والهواء الذي يحيط بنا او نستنشقه وكل الغذاء الذي نتناوله مكون من عناصر. كل واحد من العناصر التسعين او قريباً من ذلك (الموجودة في الطبيعة) يتألف من ذرات، وفي كل ذرة منه تتحرك الالكترونات في مدارات حول النواة  من النيوترونات والبروتونات. يتفاوت عدد النيوترونات في نواة الذرة ليعطي اشكالاً او نظائر لنفس العنصر، فيكون بعضها اثقل من الاخرى، وبعضها مستقراً واخرى يخضع للتلاشي فيطلق طاقة على شكل اشعاعات.

استطاع العلماء استخدام هذه الخصائص النووية لهذه النظائر في قياس ورصد مسائل كثيرة تتعلق بانتاج الغذاء والمنتجات الزراعية الاخرى. تفيد النظائر الكاشفة بنحو خاص في زيادة كفاءة الاسمدة والري او الكشف عن العوامل الممرضة. وعلى سبيل المثال، تستخدم النظائر المغلقة التي تحتوي على نظائر مطلقة للاشعاعات لتغيير البنية الوراثية للنباتات والحشرات والكائنات الدقيقة بطرق تؤدي الى انتاج نباتات افضل ومكافحة اكثر رفقاً بالبيئة وأغذية اكثر امنا وسلامة ولها قابلية خزن او حفظ اطول.

اذن يفهم من ذلك، ان التقنيات النووية يمكن ان تكون حلاً كفوءاً وفعالاً وزهيداً للكثير من المعضلات التي تواجه الزراعة في العالم، بل تكون اكثر كفاءة وفعالية اذا ما سخرت معها والى جانبها التقنيات الحياتية ذات الصلة (الهندسة الوراثية والوراثة الجزيئية وزراعة الانسجة والمعلوماتية وغيرها).

التقنية النووية والتنوع الحيوي

يعد وجود موارد وراثية وفيرة في اي بلد او منطقة بيئية ضرورياً للزراعة وانتاج الغذاء المستدامين، اذ ان هناك حاجة فعلية لسمات علوم وبرامج بحثية مفيدة تتعلق بتربية وتحسين النبات والحيوان، ليست لزيادة الانتاج فحسب، بل وكذلك لزيادة القدرة على التطبع والتكيف لمواجهة التحديات الموقعية (المحلية) والتهديدات المستقبلية المحتملة، سواءً كانت بيئية او اقتصادية وتجارية وبضوء ما تفرضه السياسة العالمية تجاه الدول الفقيرة والنامية خصوصاً.

شجعت الزراعة الحديثة المزارعين في عموم العالم على تبني زراعة اصناف متجانسة مظهريا وعالية الغلة من المحاصيل المختلفة ومثلها لحيوانات المزرعة من الاغنام والماعز والابقار والدجاج والبط والخنازير وغيرها، وادى ذلك الى فقدان التنوع الحيوي لسلالات وطرز بيئية محلية متطبعة وربما لمئات السنين او اكثر. على سبيل المثال لا الحصر، ان النسبة المئوية لسلالات حيوانات المزرعة التي تتعرض للخطر في شتى انحاء العالم هي 18% للماعز و 24% للابقار و33% للخنازير و 39% للبط و 52% للدواجن.

استطاعت التقنيات النووية وغيرها ذات الصلة ان تساعد البلدان في رفع مستوى مواردها الوراثية المحلية والحيلولة دون فقدان ثروتها الوطنية التي تعد الرصيد الامين والغني لأجيال المستقبل.

ربما يتسائل البعض عن كيفية تسخير مثل هذه التقنيات لخدمة الانسان اينما كان، والجواب ببساطة: يتمثل استخدام التقنيات النووية بتعريض الكائن النباتي او الحيواني او عضو او نسيج او خلية او مجموعة خلايا منه الى الإشعاع (مطفر فيزيائي) او لمادة كيميائية (مطفر كيميائي) لأحداث طفرات وراثية (استحداث صفة او اكثر تنتقل من جيل لأخر بنسبة متوارثة، وربما لم تكن مثل هذه الصفة موجودة اصلاً في هذا النوع النباتي او الحيواني)، يمكن من خلالها استنباط اصناف او مجتمعات نباتية او حيوانية جديدة قد تكون اكثر غلة او مقاومة للمسببات المرضية او اكثر تطبعا للظروف البيئية المحيطة. في ذات الوقت، تساعد تقنيات اخرى على تحديد المعلمات الوراثية (مورثات لها تعبير وراثي واضح تمثل علامة وراثية يمكن اعتمادها كمؤشر لأنتقاء وادخال سمات مفيدة في برامج التربية والانتخاب).

الاستدامة البيئية وحماية البيئة

 يمكن ان يؤدي تكثيف الزراعة الى انجراف التربة وتدهورها والهدر في استخدام المياه وزيادة احتمالات تلوثها وكذلك الافراط في استخدام المبيدات، مما ينعكس على سلبيا على جودة الاراضي وجعلها اقل ملائمة للانتاج، ومثلها تهديد امن الغذاء والماء، فتصبح الزراعة عموما اقل ربحاً وقبولاً لدى مستخدميها والعامة. وهنا يتوجب توافر الادارة المتكاملة للموارد الطبيعية والمدخلات الخارجية لمواجهة مثل هذه التحديات.

وفرت التقنية النووية بعض التسهيلات لمستخدميها في الحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية البيئة. من الامثلة التطبيقية المستخدمة هي مسابر الرطوبة النيوترونية لمراقبة محتوى التربة الرطوبي، وقياس توزيع الذرات المشعة المتساقطة على المناطق الزراعية لتقدير معدلات انجراف التربة وترسبها، واستخدام النتروجين والنظائر الاخرى لتتبع رشح الاسمدة والمبيدات الى المياه الجوفية، إلا بعض النهج المستخدمة لمراقبة مصير المياه والتربة والمواد الكيميائية الزراعية داخل النظم الزراعية والبيئة الاوسع. بهذه الطريقة، تساعد مثل هذه النهج في تحديد الممارسات الصالحة اقتصادياً وبيئياً معاً، لتحسين او استعادة خصوبة التربة وادامة الانتاج الزراعي، كما يمكن من خلالها تحقيق تخفيضات جوهرية في استخدام المبيدات وحماية التنوع الحيوي للنباتات والحشرات في مناطق واسعة وذلك بادخال وسائل واساليب حيوية مختلفة مثل تقنية الحشرات العقيمة.

محاربة الأفات والأمراض

تشكل الأفات الحشرية وامراض الثروة الحيوانية تهديدا مستمرا للمزارعين، بل لاقتصاديات البلدان عموما والنامية منها بوجه خاص. من المؤكد ان مكافحة الحشرات بـالمبيدات الكيميائية والعقاقير يخلف تأثيرات مؤذية في الغذاء والبيئة، فضلا عن التأثيرات الاخرى التي تؤدي الى تطبع الحشرة او المتطفل بمرور الزمن فتنتج اجيالاً مقاومة او متحملة للتاثير المضاد للمبيد الكيميائي، والذي قد يستوجب زيادة الجرعة للمادة الفعالة وينعكس سلبيا على البيئة. وعليه، فان التفتيش عن بدائل الكيميائيات من مبيدات وعقاقير يمثل الاسلوب الافضل والارخص والاكثر امانا للانسان وبيئته التي وهبه اياها سيد الكون وراعيه واوصاه بها خيرا ” كلوا من طيبات ما رزقناكم”.

تقدم التقنيات النووية والتقنيات المتصلة بعض الحلول لدى استخدامها كجزء من النهج المتكامل لأدارة الافات والامراض، سواء ما كان منها ما يصيب الحيوان او النبات. من افضل الامثلة على ذلك هو تقنية الحشرات العقيمة، التي تشتمل اولاً على انتاج واسع النطاق للافات واعقامها (جعلها عقيمة) باستخدام اشعة جاما، وعند اطلاقها في بيئة الهدف (المنطقة المستهدفة) تتزاوج مع الحشرات البرية لكنها لا تنتج نسلاً، ومرور الزمن يتم القضاء عليها، حيث يبلغ مجموع اعدادها صفراً في بيئة الهدف. من الامثلة الرائعة ما توصلت اليه الكوادر العلمية في وزارة العلوم والتكنولوجيا من تطبيق علمي لهذه التقنية على الحشرات التي تصيب ثمار الرمان بغية اعطاء صورة توضيحية عن المنافع الاقتصادية المتحققة من استخدام تقنية الحشرات العقيمة، ندرج في ادناه بعض من هذه الاحصاءات:

ـ ليبيا: بلغ صافي الربح المتحقق 18.9 مليون دولار في قطاع حيواتات المزرعة نتيجة مكافحة الدودة الحلزونية للعالم الجديد، حيث كانت نسبة العائد الى التكلفة 10: 1.

ـ تشيلي: بلغ صافي الربح المتحقق 1600 مليون دولار في قطاع صادرات المحاصيل البستانية نتيجة مكافحة ذبابة الثمار في حوض البحر المتوسط، وكانت نسبة العائد الى التكلفة 400: 1.

ـ تايلند: بلغ صافي الربح المتحقق 1.3 مليون دولار في قطاع المانجو نتيجة مكافحة ذبابة الثمار الشرقية، وبلغت نسبة العائد الى التكلفة 7: 1.

يمكن تحسين مكافحة امراض الثروة الحيوانية من خلال اختبارات التقدير المناعي والاختبارات الجزيئية التي تمكن اصحاب القرار من اكتشاف وتحديد عوامل الامراض، ومن ثم رصد جهود المكافحة، وهما اداتان هامتان في الحملة العالمية لمكافحة مرض الطاعون البقري المدمر الذي يصيب الابقار.

حماية الأغذية من المزرعة إلي المستهلك

ان الطلب على الاغذية السليمة والصحية في تصاعد مستمر، حيث ان ممارسات الانتاج المكثف قد تترك مخلفات او اثر للمبيدات والعقاقير البيطرية والمواد الكيميائية الزراعية الاخرى في الأغذية.

كما ان الاخطار الطبيعية للبكيتريا والفيروسات التي تفسد الغذاء لها ابلغ الاثر في صحة الانسان، بل كل السلسلة الغذائية، مما يجعل منع تلوث الاغذية في كل حلقة من حلقات السلسلة الغذائية من المزرعة الى المستهلك امرا ذا اولوية في البحث العلمي التطبيقي، لا بل امرا موجبا لكل انسان يعيش بنعمة هذا الكوكب الجميل.

كجزء من الاستراتيجية العلمية العالمية المطبقة في هذا المجال، استخدام التقنيات النظائرية لرصد تلوث الأغذية بالكيميائيات الزراعية. يتم تعريض الأغذية الى جرع محددة من الاشعاعات لقتل البكيريا واطالة فترة الخزن والحفظ ومثلها مكافحة الافات الحشرية في المنتجات الغذائية النباتية.

من الامثلة الرائعة ما توصلت اليه الكوادر العلمية في وزارة العلوم والتكنولوجيا من ابتكار لطرائق علمية وتطبيقية لمكافحة الحشرات التي تصيب التمر في المخازن، والتي تنعكس بالنتيجة على القيمة السعرية لصادراتنا منه الى العالم. كما يقوم البرنامج المشترك بين منظمة الغذاء والزراعة والوكالة الدولية للطاقة الذرية بتطوير معايير ضبط تعريض الأغذية والمنتجات الزراعية للاشعاعات لقتل البكيريا والأفات الحشرية، ويروج طرق التحليل النووي وغيرها ذات الصلة بالكشف عن الملوثات في الغذاء والماء والتربة، بل ومراقبتها. كما تساعد نشاطات البرنامج الاخرى حكومات الدول لكي تكون على اهبة الاستعداد والاستجابة لحالات الطوارﺉ النووية والاشعاعية التي تهدد سلامة الأغذية وامداداتها. ندرج بعض الاحصاءات والارقام التي تتعلق بسلامة الغذاء وكما يلي:

ـ 76 مليون: عدد الاصابات بامراض منقولة بواسطة الأغذية اسفرت عن 325 الف حالة دخول الى المستشفيات و5000 حالة وفاة في الولايات المتحدة الامريكية كل عام.

ـ 50: عدد البلدان التي يستخدم فيها تعريض الأغذية للاشعاعات من اجل ضمان سلامة الأغذية وجودتها، وتقليل خسائر ما بعد الحصاد، وتلبية اشتراطات الانظمة الدولية للحجر الصحي للنباتات.

ـ 3 مليون طن متري: الانتاج العالمي من الأغذية المعرضة للاشعاعات في عام 2004.

ـ 90% من حالات سرطان الغدة الدرقية: وهي نسبة يمكن تفاديها في الاطفال لو تم حظر استهلاك الحليب الملوث فور وقوع حادث تشرنوبل النووي. ولو تم ضبط تناول الخضر الطازجة الملوثة، لتحقق تخفيض اضافي نسبته 50%.   

اما على مستوى الأمن الغذائي فان البرنامج المشترك بين منظمة الغذاء والزراعة والوكالة الدولية للطاقة الذرية يساعد في ترويج التقنيات النووية التي تساعد صغار المنتجين وزيادة مخرجات فقراء الريف ودخلهم من خلال ازالة المعوقات التي تواجه النمو الزراعي. ان الامثلة على ذلك كثيرة ونذكر منها باختصار شديد الاتي:

  • استنباط ونقل اسلوب النظير الثابت لقياس تثبيت النتروجين من محاصيل البقول.
  • طرائق اكثار الموز وتوفير مادة زراعة زهيدة التكلفة وخالية من الامراض.
  • النشر الواسع لأستخدام الاعلاف المحلية المدعمة بالعناصر الغذائية المتعددة.
  • تحسين تقنية التقييس المناعي الاشعاعي والكفاءة التناسلية للابقار في مزارع صغار المربين.
  • الاقتراب من استئصال مرض الطاعون البقري القاتل.
  • تخفيض الخسائر في اشجار الفاكهة ومحاصيل الخضر والثروة الحيوانية بادخال ممارسات الادارة المتكاملة للافات وغيرها من الاساليب المتبعة في التقنية النووية.

الإشعاع والحياة

عموما نستطيع القول بعد كل ما قيل أن كثير من الناس يتخوفون من الإشعاع ويرتابون عند سماع اسمه، ويبدو أن هذه الظاهرة غير مرتبطة بثقافة السامع لأنها تشمل أناساً على مختلف الثقافات، وهؤلاء قد لا يعلمون أن الإشعاع بتطبيقاته المختلفة قد دخل مجالات الحياة على تباين صورها وأنماطها، وأضحى من المتعذر الاستغناء عن العديد من استخداماته المفيدة التي عمت البيوت والأفراد؛ فمن منا لم تؤخذ له صورة بالأشعة السينية للصدر أو المعدة والأمعاء أو الكبد والطحال أو الأسنان؟

وقد يكون لناس عذر في تخوفهم من الإشعاع نظراً لما ارتسم في أذهانهم من الدمار والهلاك الذي سببه في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما ألقيت القنبلتان النوويتان على بلدتي هيروشيما ونجزاكي اليابانيتين، كما أننا نسمع ونقرأ باستمرار ما تردده وسائل الإعلام المختلفة عن السباق النووي القائم بين القوتين العظيمين وعن القوة الهائلة للتفجيرات النووية التي تجري في البر والبحر، كما ونسمع صيحات الخطر تنطلق من هنا وهناك بين الفينة والأخرى منذرة بما يمكن أن تحدثه أية حرب نووية قادمة حيث بمقدور جزء يسير من القنابل النووية المخزونة حالياً أن تهلك العالم بأسره إلا أن يشاء الله.

الإشعاع والزراعة

لقد وجد الإشعاع طريقه في مجالات عدة في الزراعة، إذا استعمل ويزال في تطوير أنواع جيدة من البذور حيث يستفاد من خاصية الإشعاع في إحداث الطفرات في البذور للحصول على بذور لها صفات ملائمة مثل مقاومتها للآفات الزراعية، وزيادة الإنتاج، وارتفاع نسبة البروتين. فقد أمكن حتى الآن تطوير حوالي 200 نوع من النباتات منها الحنطة، والأرز، والقطن.

هذا ويستخدم الإشعاع حالياً وبازدياد مطرد في حفظ الأغذية فتستعمل أشعة جاما في إطالة عمر التخزين لبعض المنتجات كالبطاطا والبصل وذلك بقتل الخلايا القابلة للانقسام والتي تسبب ظهور البراعم، وفي قتل الحشرات أو اعقامها لمنعها من مهاجمة المحاصيل الزراعية وإتلافها مثل الفواكه الطازجة والخضروات.

غير أن استخدام الأشعة السينية أو أشعة جاما في معالجة المواد الغذائية لا يجعل هذا المواد مشعة، ولهذا فليس هناك أي خطر إشعاعي من جراء تناول المواد المعالجة بهذه الأشعة، وقد سمح لنوع أو أكثر من مجموع أربعين نوع من الأغذية بالتشعيع في 25 دولة من دول العالم، ومن مميزات هذه الطريقة أنها لا تلوث البيئة ولا تحتاج إلا إلى القليل من الطاقة.

هذا وتستخدم الأشعة في السيطرة على الحشرات التي تقتات طبيعياً على المواد الغذائية، ويتم ذلك بالإمساك ببعض الحشرات الضارة وإطعامها في الأسر حتى تتكاثر ويتوفر عدد كبير منها، وبعد ذلك تعرض هذه الحشرات لأشعة جاما أو للأشعة السينية لاعقامها، ثم يتم إطلاقها للاختلاط بالطليقة منه، ويتم التزاوج بينهما دون إنجاب ذرية مما قد يردي إلى تلاشي تعدادها تدريجياً.

وتمتاز هذه الطريقة العلمية عن طريق استعمال المبيدات الحشرية التقليدية بأنها لا تؤثر إلا على الحشرات الضارة، وقد استخدمت في السيطرة على ذبابة الفواكه في البحر الأبيض المتوسط وذبابة (تسي تسي) المنتشرة في أفريقيا والتي تسبب مرض النوم.

وخلاصة القول إن للإشعاع استعمالات وتطبيقات مفيدة جداً في مختلف أوجه الحياة، كما انه له القدرة على إلحاق الضرر بالإنسان وبيئته إذا ما أسيء استخدامه وإذا لم تتخذ الوقاية الكافية منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *