آخر الأخبار
الرئيسية / تقارير / الزراعة الرأسية.. ثورة لمواجهة الطلب المتزايد على الغذاء

الزراعة الرأسية.. ثورة لمواجهة الطلب المتزايد على الغذاء

كتب: د.عبدالعزيز رابح برزت فى السنوات الأخيرة تقنيات الزراعة الرأسية كأحد الحلول الحديثة للتغلب على العديد من المشاكل المرتبطة بالإستدامة فى الإنتاج الزراعى ورفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعية فى الزراعة والتعامل مع شح الأراضي وندرة المياه لمواجهة الطلب المتزايد على الغذاء عالميا مع محدودية الموارد الطبيعية المتاحة.

الزراعة الرأسية

تعد الزراعة الرأسية كاحد نظم الزراعة المحمية المتقدمة حيث تزرع النباتات تحت اعلى درجات الحماية فى بيئة معزولة تماما عن البيئة الطبيعية بما فى ذلك التربة الطبيعة حيث تزرع النباتات بدون تربة فيما يسمى انظمة الهيدروبونك كما تستخدم الإضاءة الصناعية كبديل عن الإضاءة الطبيعية.

بدأت مشاريع الزراعة الرأسية فى الإنتشار على المستوى التجاري فى بعض الدول الأسيوية مثل اليابان والصين خلال العقدين الماضيين، وتركز نظم الزراعة الرأسية التجارية على زراعة محاصيل الخضر الصغيرة مثل الورقيات والأعشاب الطبية والعطرية (Herbs).

خلال السنوات الماضية بدأت تنتشر المزارع الرأسية فى العديد من الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية ضمن توجهه جديد يعرف بـالزراعة الحضرية (Urban Culture). يهدف هذا المفهوم الي جعل المدن الكبيرة والتى سوف تجذب المزيد من الكثافة السكانية فى المستقبل قادرة على انتاج جزء من غذائها وخفض حركة نقل المنتجات من مناطق الإنتاج الى مناطق الإستهلاك لأهداف بيئيه منها خفض انبعاثات الكربون.

مميزات الزراعة الرأسية

ما يميز نظم الزراعة الرأسية مقارنة بأنظمة الزراعة المحمية الأخري هو وجودها داخل او قريب جدا من التجمعات الحضرية وكذلك الأستخدام الأمثل للمساحات والمياه (حيث توفر اكثر من 90% من مياه الرى) واستخدام التقنيات الحديثة للتحكم فى بيئة الزراعة وكذلك الإنتاج على مدار العام وانتاج اغذية صحية لا تستخدم فيها المبيدات الكيماوية نهائيا ومحمية من التلوث البيولوجي.

لماذا الزراعة الرأسية؟

خلال العامين الماضيين بدأت بعض الشركات تسويق هذه النظم الزراعية فى السعودية ودول الخليج على اعتبار ان نظم الزراعة الرأسية احد اهم الحلول للتغلب الظروف البيئية الغير ملائمة للزراعة وندرة المياه وجعل هذة البيئة الصحراوية ذات الظروف البيئية القاسية والموارد المائية المحدودة قادرة على المساهمة فى جزء من الأمن الغذائي لسكانها. لذا فان الزراعة الرأسية من التقنيات الحديثة فى الزراعة.

محددات استخدام الزراعة الرأسية

ما ينبغي اخذه في الإعتبار ان هذه التقنية غير محتكرة وموجودة فى الأسواق العالمية وخاصة الأسيوية، بل ان جزء كبير من مكوناتها يمكن تصنيعه محليا. تتميز مشاريع الزراعة الرأسية بتكاليفها الرأسمالية العالية عند الإنشاء وكذلك تكاليف التشغيل، حيث تشكل تكلفة الطاقة الجزء الأكبر من تكاليف التشغيل. بالرغم من الإنخفاض الكبير فى استهلاك الطاقة مع تطور انظمة اضاءة الليد الحديثة المستخدمة فى نظم الزراعة الرأسية واللتي ساهمت بشكل كبير فى خفض التكلفة إلا انها لاتزال من ابرز التحديات الحالية لهذة المشاريع. وربما تساهم التظورات الكبيرة فى خفض تكاليف الطاقة المتجددة فى تجاوز هذه التحديات.

لذا فإن نجاح الاستثمار فى مثل هذه المشاريع يعتمد فى المقام الأول على خفض تكاليف التشغيل وبالتالي خفض تكاليف الإنتاج وثانيا فى القدرة على فتح قنوات تسويقية لهذة المنتجات العالية الجودة الخالية من متبقيات المبيدات وتمييزها عن المنتجات التقليدية الأخري.

الزراعة الرأسية لإنتاج الخضر الورقية

إن مشاريع الزراعة الرأسية التجارية حاليا تركز على الخضر الورقية. ولو نظرنا الى مزارع الخضر الورقية فى معظم الدول العربية نجد انها تنتج فى الغالب في مزراع صغيرة ومتوسطة تعتمد على تكثيف العمالة الزراعية وفى الغالب تنتج في مزارع مستأجرة تقوم عليها عمالة تسيطر علي هذا القطاع انتاجا وتسويقا.

انتشار هذه المزارع الصغيرة بعدد كبير جدا وضعف الرقابة على سلامة هذه المنتجات من التلوث جعلها من اكبر مصادر القلق للمستهلك، والتي قد تشكل فاتورة باهضة على الصحة العامة فى المملكة، حيث تستهلك الورقيات فى وقت وجيز بعد حصادها مما يعرض المستهلك لخطر الملوثات الكيماوية من متبقيات المبيدات او البيولوجية الأخرى من مياه الري او خلال عملية التداول.

لاشك ان دخول تقنيات الزراعة الرأسية لإنتاج الخضر الورقية فى كثير من الدول هو احد الحلول لتحويل هذا القطاع الى صناعة متقدمة ترتكز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتساهم فى توليد وظائف نوعية جديدة وتخفض من اعداد العمالة الزراعية التقليدية وتقدم منتجات صحية وسليمة وخالية من المبيدات الكيماوية والملوثات البيولوجية، كذلك فان استخدام هذه التقنيات الزراعية الحديثة سوف يجعل الوظائف فى هذا القطاع اكثر جاذبية للشباب من الوظائف التقليدية فى القطاع الزراعي ويفتح المجال امام المرأة للعمل فى هذا القطاع.

الاستثمار في الزراعة الرأسية

تتزايد اعداد الشركات المستثمرة فى الزراعة الرأسية عالميا، وتتقدم تقنياتها بشكل مذهل، ففي فبراير 2017م افتتحت احدى المزارع الرأسية فى طوكيو والتي تنتج يوميا 30 الف وحدة من الخس بدون اي عنصر بشرى فى المزرعة وتوفر 95% من مياه الرى، حيث تعتمد بشكل كلي على الروبوت. كما يتوقع ان ترتفع نسب الخضر الورقية المنتج فى المزارع الرأسية فى الولايات المتحدة الى 50% بحلول عام 2030م.

الاستثمار فى هذه التقنيات الزراعية الحديثة سوف يعزز من استدامة التنمية الزراعية ودعم هذه التقنيات الحديثة سوف يساهم فى تحقيق الأمن الغذائي لكثير من الدول إذا ما قررت الاستفادة من ذلك النظام، فضلا عن تحسين سلامة منتجات الخضر الورقية لأن سلامة هذه المنتجات للإستهلاك من اهم ركائز الأمن الغذائي وتحسين سلامة المنتجات الزراعية سوف ينعكس ايجابا على فاتورة الصحة العامة على المدى المتوسط والبعيد.

الزراعة الرأسية تعظم الموارد الطبيعية

ولا شك أن تحويل القطاع الزراعي فى وطننا العربى الى قطاع تقنيى يعتمد على التكنولوجيا الحديثة والتى ترفع من كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وخاصة المياه وتحسن من جودة وسلامة المنتجات الزراعية هو بلا شك ضمانة لإستدامة القطاع الزراعى.

كما ان هذا التوجهه يشكل مبادرات التحول ولعل من اهمها مبادرة جودة الحياة التى اطلقت اخيرا والتى من المؤكد انها تأخذ فى الاعتبار نوعية وسلامة الغذاء كأحد اهم المعايير لتحسين جودة الحياة Quality Food for Quality Life.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *