الري بمياه الصرف غير المعالج: تحديات وحلول ممكنة

إعداد: أ.د.صبحي فهمي منصور
أستاذ الأراضي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة – مركز البحوث الزراعية
هناك مناطق متفرقة حول القاهرة الكبرى (مثل مركز الصف وأطفيح بمحافظة الجيزة، وعدة قرى بمركز بنها بمحافظة القليوبية، بالإضافة إلى محافظة الغربية من محافظات الدلتا) لا تزال تُروى زراعتها بمياه الصرف الصحي غير المعالج، بالإضافة إلى استخدام الحمأة أو المياه الملوثة في ري المحاصيل الزراعية.
تشير تقارير سابقة إلى أن المساحات المتأثرة بالصرف غير المعالج تصل إلى حوالى 700 ألف فدان. هذه الزراعات تشمل القمح، والذرة، والبرسيم، والطماطم، والفلفل، والبصل، والثوم، وغيرها من المحاصيل التي يستهلكها الإنسان أو الحيوان، وكلها تؤدي إلى إصابة الإنسان بأخطر الأمراض، علمًا بأن هذه المحاصيل تغزو أسواق الجملة، مما يزيد من ضررها على أكبر عدد من السكان، وهذا أمام بصر المسؤولين الذين يقفون مكتوفي الأيدي.
أسباب هذه المشكلة:
-
ندرة المياه وأحيانًا عدم وصول مياه الري للفلاح أساسًا.
-
غياب أو ضعف البنية التحتية للمعالجة.
-
عدم وجود بدائل واقعية للمزارعين.
لماذا يلجأ البعض لهذا المصدر من المياه؟
-
توفر هذا المصدر بشكل مستمر.
-
احتواؤه على المواد العضوية والمغذيات، مما يقلل الحاجة لإضافة السماد.
-
انخفاض تكلفة التشغيل مقارنة بالبدائل.
هذه هي أسباب اللجوء إلى هذا المصدر لري الزراعات، علمًا بأن هناك أكثر من قانون يحذر ويعاقب من يزرع محاصيل يستهلكها الإنسان أو الحيوان بهذه المياه، ونذكر على سبيل المثال:
-
قرار وزير الزراعة رقم 603 لسنة 2002: يمنع استخدام مياه الصرف الصحي (سواء المعالجة أو غير المعالجة) في ري الزراعات التقليدية والمحاصيل الحقلية مثل الخضروات والفاكهة، ويقصر استخدامها على ري الغابات الشجرية وأشجار الزينة فقط.
-
قرار وزير الزراعة رقم 1083 لسنة 2009: أكد حظر استخدام مياه الصرف في زراعة كافة المحاصيل الغذائية، وأعطى الصلاحية للأجهزة التنفيذية بإزالة هذه المحاصيل فورًا على نفقة المخالف.
-
قانون الموارد المائية والري الجديد (رقم 147 لسنة 2021): يحظر ري المحاصيل الزراعية بمياه الصرف الصحي أو الصناعي دون الحصول على ترخيص مسبق وموافقة وزارة الصحة والسكان، ويضع ضوابط صارمة لحماية المجاري المائية من التلوث.
-
الكود المصري رقم 501 لسنة 2015: يحدد المعايير الفنية للاستخدام الآمن للمياه المعالجة، ويحظر بشكل قاطع استخدامها لري محاصيل الخضروات التي تؤكل نيئة أو مطبوخة والمحاصيل الاستراتيجية.
وقد صدرت هذه القوانين نظرًا لخطورة الري بمثل هذه المياه.
المخاطر الصحية:
-
تراكم المبيدات والمواد الكيميائية في المحاصيل الغذائية يؤدي إلى تسممها وتدني جودة المنتج، كما تبقى المتبقيات في الأنسجة النباتية حتى بعد الطهي أو المعالجة، مما يجعل المحاصيل غير صالحة للاستهلاك البشري.
-
مياه الصرف تحتوي على طفيليات مثل البلهارسيا والديدان الشريطية، بالإضافة إلى بكتيريا وفيروسات ممرضة تسبب أمراضًا خطيرة مثل التيفوئيد والكوليرا والتهاب الكبد الوبائي.
-
ري المحاصيل بمياه الصرف غير المعالجة يؤدي إلى تراكم المواد الكيميائية في أجسام البشر، مسببة مشاكل صحية خطيرة مثل السرطان وأمراض الكبد والكلى والجهاز العصبي.
التأثيرات الضارة الأخرى:
-
تأثيرها على نمو الأطفال: متبقيات الرصاص في مياه الصرف غير المعالجة تؤثر سلبًا على نمو الأطفال ونضجهم العقلي، وتسبب أمراض الدم والقلب، وتضعف جهاز المناعة.
-
الألبان: تعد مصدرًا لنقل هذه السموم، حيث تتركز العناصر الثقيلة في ألبان الحيوانات التي تتغذى على أعلاف مروية بمياه الصرف الصحي، وينتقل التلوث إلى الأطفال عبر حليب الأم.
-
تأثيرها على التربة: استخدام المياه الملوثة يؤدي إلى تراكم الملوثات، تدهور خواص التربة، تراكم المعادن الثقيلة، تلوث المياه الجوفية، واختلال التوازن البيولوجي.
-
تأثيرها على نمو المحاصيل: تمتص المحاصيل الورقية مثل الخس والسبانخ العناصر الثقيلة، وتتراكم في جسم الإنسان بعد 5-10 سنوات، مسببة أعراضًا مرضية مختلفة.
-
تأثيرها على الإنسان والحيوان: العناصر الثقيلة تتراكم في النباتات والحيوانات، وتنتقل إلى الإنسان عبر استهلاك اللحوم والألبان، مسببة أمراض الكبد والفشل الكلوي والأمراض الصدرية.
المردود الاقتصادي:
-
زيادة الإنفاق الحكومي على الصحة لمعالجة الأمراض الناتجة عن استهلاك المحاصيل الملوثة.
-
خسائر في الصادرات الزراعية إذا تم نشر هذه المشكلة.
-
فقدان ثقة المستهلك.
-
تكلفة إعادة تأهيل الأراضي لاحقًا (ما نوفره اليوم ندفعه أضعاف غدًا).
سبل الخروج من المشكلة:
-
تفعيل العقوبات المنصوص عليها، بما يشمل الحبس والغرامة، بالإضافة إلى إزالة الزراعات المخالفة ومصادرتها.
-
زيادة عدد محطات المعالجة والتوسع في سعة المحطات لاستيعاب الزيادة في عدد السكان وحجم المياه الواردة.
-
التوسع في إجراء المعالجة الأولية أو الثنائية قليلة التكلفة.
-
خلط مياه الصرف بمياه ري نظيفة لتقليل المخاطر عند الإمكان.
-
تشديد الرقابة بالتوازي مع توفير البدائل، وعدم الاقتصار على العقاب فقط.
-
اقتصار استخدام مياه الصرف الصحي على ري محاصيل الزينة والأشجار الخشبية، نظرًا لعدم دخولها في سلسلة الغذاء للإنسان.
-
رفع وعي المواطنين حول القضايا المرتبطة بحياتهم، وأهمية دور وسائل الإعلام في توعية الجمهور بصحة الزراعة وسلامة الغذاء.
الخلاصة:
إن الري بمياه صرف غير معالجة ليس نتيجة إهمال فردي فقط، بل هو نتيجة فجوة بين الاحتياج والقدرة. لذا يجب التعامل الرشيد مع المشكلة، بدءًا بالاعتراف بواقعها ثم التحرك التدريجي نحو المعالجة والتنظيم، بدلًا من الإنكار أو التجريم وحده.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



