الحوكمة في مواجهة الكوارث: قراءة في الهدف الثاني من إطار سنداي 2015ـ2030

بقلم: د.شكرية المراكشي
الخبير الدولي في الزراعات البديلة ورئيس مجلس إدارة شركة مصر تونس للتنمية الزراعية
حين تهبّ العواصف، لا تفرّق بين من وقّع الاتفاقيات ومن تجاهلها. لا تنحاز إلى دولة مصدّقة وأخرى غافلة، بل تختبر الجميع بلغةٍ واحدة: من استعدّ نجا، ومن اكتفى بالوعود غرق في الرماد. لقد آن الأوان لنقولها بلا تردّد: الاتفاقيات الدولية لا تحمينا إذا بقيت أوراقًا مؤطرة على جدران الوزارات، تُلوّح بها الوفود في المؤتمرات وتُنسى في دهاليز البيروقراطية، بينما الواقع يشتعل حرائق، ويئن جفافًا، وينهار تحت ضربات الإهمال المتراكمة.
في مصر، كما في كثير من الدول، نوقّع ونحتفي ونُصفّق، ثم نعود إلى الوراء بخطوات وئيدة، وكأن الكارثة رفاهية مؤجّلة، وكأن الخطر لا يعني أحدًا طالما لم يقرع باب العاصمة بعد. وقّعنا على اتفاقية باريس، لكن مصانعنا ومشروعاتنا الكبرى لا تزال تمضي بلا بصمة بيئية واضحة. صادقنا على اتفاقية رامسار، بينما بحيراتنا تُردم وتُلوّث، كأنما لم تكن يومًا ملاذًا بيئيًا حيًا. تبنّينا الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان، دون أن نترجم الحق في الماء النقي، والسكن الكريم، والبيئة السليمة إلى سياسات تحفظ كرامة من يعيشون على الهامش.
الكارثة لا تنتظر إذن توقيع ولا تترقب مؤتمرات. إنها سؤال مفتوح أمام كل دولة: هل جهّزت مؤسساتها؟ هل موّلت خططها؟ هل خلقت وعيًا مجتمعيًا؟ هل نقلت أهداف الاتفاقيات من نصوص إلى نبض؟ وحده من يجيب بنعم صادقة، لا إعلامية، يستحق أن يقال عنه “استعدّ”. أما الآخرون، فمهما كانت الشعارات، لن تقيهم من لهب الحقيقة حين يأتي.
لهذا كانت هذه السلسلة، لا لنقد الاتفاقيات، بل لنفض الغبار عنها، ولربطها بوجوه الناس في قُرانا، في مدارس بلا أسقف مقاومة، في شوارع تغرق مع أول سيل، في بيوت لم تعرف دفء التخطيط، ولا سمع أهلها يومًا عن كلمة “سنداي”. سنمضي هدفًا تلو آخر، لنُعيد المعنى إلى مفردات بدت بعيدة، ونغرس جذور الوعي في تربة الواقع المصري، لعلّ الكلمة حين تُقال بصدق، تصبح بداية لفعل لا يخون الأرض ولا أهلها.
تطوير استراتيجيات وطنية وإقليمية للحد من المخاطر، وتحديد المسؤوليات، وتعبئة الموارد.
حين تشتعل الأرض تحت أقدامنا، لا وقت للبحث عن المسؤول، ولا جدوى من اللوم. فالزلزال لا يطرق الباب ليستأذن، والسيل لا ينتظر توقيع القرار في مكاتب مغلقة. هنا تُختبر الدول لا في عدد سيارات الإطفاء، بل في وضوح استراتيجياتها، في جاهزية مؤسساتها، وفي عدالة توزيع مواردها. الكارثة لا تفضح الطبيعة، بل تفضح هشاشة الحوكمة.
ليس المقصود بالحوكمة أن نجتمع بعد الخراب لنحصي الضحايا، بل أن نبني شبكة من الأدوار والمسؤوليات، لا يضيع فيها الصوت بين طاولات الوزارات ولا تتشابك الصلاحيات حتى يصبح القرار بلا صاحب. فحين تتناثر الأوامر وتتباين، يصبح الخطر أسرع من التنسيق، ويصبح المواطن ضحية سوء التنظيم لا الكارثة نفسها.
الاستراتيجية ليست ملفًا يُصفف على الرف، بل خارطة طريق واضحة، تبدأ من فهم المخاطر وتوزيع الأدوار، ولا تنتهي إلا حين نضمن أن كل مؤسسة تعرف متى تتحرك، وكيف، ومع من. نحن لا نحتاج إلى مزيد من التصريحات، بل إلى خطط حقيقية، مدعومة بالتمويل، ومحمية بإرادة سياسية لا تتهرب عند أول اختبار.
وحين نتحدث عن الحوكمة، فإننا لا نعني فقط الحكومات، بل كل يد في المجتمع يجب أن تُمد في لحظة الأزمة، بدءًا من الإداري في المحافظة، حتى المتطوع في القرية النائية. لا تنمية بدون أمان، ولا أمان بدون حوكمة، ولا حوكمة بدون وضوح وشفافية ومحاسبة.
في هذا المقال، سنغوص في عمق الهدف الثاني من اتفاقية سنداي، حيث لا تكفي الإنذارات ولا الخرائط، ما لم تُبنَ على أرض مؤسسية صلبة، تُنسق فيها الجهود كما تُنسج خيوط النجاة، قبل أن تشتعل النار، وقبل أن يعلو الماء، وقبل أن يُصبح المواطن وحيدًا في مواجهة ما لم يكن له يد فيه… لكن الجميع تركه يواجهه.
1ـ المفهوم الأساسي: الحوكمة ليست إدارة الأزمة، بل هي التخطيط لما قبلها وما بعدها
الخطأ الأكبر في فهم الكوارث هو أن نراها فقط لحظة انفجار، أو مجرد مشهد درامي يعبر في نشرة الأخبار. لكن الحقيقة أن الكارثة، حين تقع، تكون قد بدأت قبل ذلك بزمن طويل… في صمت الغرف المغلقة، في ارتباك القرار، وفي غياب التخطيط. الحوكمة الحقيقية لا تبدأ بصوت الإنذار، بل تبدأ حين تُكتب أول فقرة في خطة الطوارئ، حين تُقسم المسؤوليات بوضوح، وحين يعرف كل طرف ما عليه أن يفعله قبل أن تُظلم السماء أو تتحرك الأرض.
ليست الحوكمة مطفأة حريق تُسحب عند اللهب، بل هي شبكة أمان تُنسج بهدوء، في أوقات السلم، بالثقة لا بالفوضى، بالوضوح لا بالتخمين. من يقرر عند الخطر؟ من يُطلق صفارة الإنذار؟ من يفتح المدارس كمراكز إيواء؟ ومن يتواصل مع الناس بلغة يفهمونها؟ كل هذه الأسئلة يجب أن يُجاب عنها قبل الكارثة، لا بعدها.
وحين تغيب هذه الأجوبة، لا تسأل الطبيعة إن كنا جاهزين. تفعل ما تفعل، وتمضي، وتترك وراءها دولة إما تبكي خسائرها، أو تقف على قدميها لأنّها كانت تعرف مسبقًا من يتحرّك، متى، وكيف. فالأزمات لا تُدار بالنيات، بل بالبُنى المؤسسية، بالتشريعات، بالخرائط، وبوجود قائد يعرف مَن يتبع مَن، وما المطلوب من كل طرف.
الناس لا يحتاجون إلى بطل يخرج من الدخان، بل إلى دولة تُطمئنهم بأن الخطر مُدار، لا مُرتجل، وأنّ حياتهم ليست رهن صراعات الصلاحيات، ولا ضحية لارتجال اللحظة. الحوكمة، في عمقها، هي اتفاق غير معلن بين الدولة والمجتمع: أنا أعرف دوري، وأنت تعرف دورك، ولن نضيع حين يختبرنا الغضب.
حين نفهم ذلك، يصبح كل يوم بلا كارثة فرصة نادرة لبناء هذا الاتفاق، لا لتمضية الوقت في التسويف، ولا للارتكان إلى الحظ. فالحوكمة ليست رد فعل، بل هي فعل مستمر، صامت أحيانًا، لكنه أقوى من كل صفارات الإنذار.
من دون حوكمة قوية، لا تنجح الاستجابة ولا تصمد الخطط.
من دون حوكمة قوية، تصبح خطط الطوارئ كأنها خرائط من ورق مبلول، لا تصمد أمام أول قطرة مطر، ولا تُفضي إلى مخرج حين تشتد العاصفة. تُكتب الاستراتيجيات وتُعلّق على الجدران، تُنشأ اللجان وتُعقد الاجتماعات، لكن في لحظة الحقيقة، حين تهتز الأرض أو تغمر المياه الطرقات أو تشتعل النيران في الهضاب، يتبيّن أن لا أحد يعرف من يبدأ، ولا أين تنتهي المسؤولية وتبدأ المحاسبة.
الحوكمة ليست شعارًا نُزين به التقارير، بل هي العمود الفقري الذي يربط الرأس بالفعل. حين تكون غائبة، تصبح القرارات ارتجالية، تُصاغ على وقع الرعب لا على هدوء التخطيط. يُستدعى المسؤولون من نومهم، يتبادلون الاتهامات، ويبحث كلٌ عن غطاء يقيه اللوم، بينما الناس على الأرض يواجهون قدرهم وحدهم، بلا جهة يرجعون إليها، بلا توجيه، بلا ثقة.
من دون حوكمة قوية، يفقد المواطن ثقته في الدولة. يُصبح كل تحذير مجرد ضجيج، وكل خطة حبرًا لا يصدّق أحد أنها ستُنفذ. تذوب المسؤوليات في ضباب البيروقراطية، ويضيع صوت العقل وسط صخب التبريرات. والمجتمع، حين يشعر أن لا أحد يمسك بالدفة، ينجرف إما إلى الفوضى أو إلى الاستسلام.
لكن الحوكمة القوية تصنع الفرق قبل الكارثة لا بعدها. تُفعّل ما كُتب، وتربط المؤسسات ببعضها، وتحمي الموارد من الهدر، وتُدير الأزمات بحكمة لا بهلع. هي التي تضمن أن يكون لكل بلدية خطة، ولكل مسؤول صلاحية، ولكل مدرسة دور، ولكل مواطن دليل للنجاة. هي التي تُحوّل المجتمع كله إلى خلية متنبهة، لا تنتظر الإنقاذ من السماء، بل تعرف كيف تتحرك على الأرض.
الخطط لا تنجح لأنّها مكتوبة بإتقان، بل لأنّ هناك من يحميها، يتابعها، يراقب تنفيذها، ويصحح مسارها إن انحرف. ومن دون حوكمة، تظل كل هذه الخطط في انتظار بطل لن يأتي، ونظام لن يستفيق إلا بعد أن تحترق الخريطة.
2ـ غياب الهياكل المؤسسية الواضحة لإدارة الكوارث:
حين تقع الكارثة، لا يسأل الناس عن عدد اللجان، بل عن الاتجاه. يبحثون عمّن يوجّههم، لا عن بيانات فضفاضة أو شعارات منمّقة. لكن في دولنا، غالبًا ما تكون الجهة المسؤولة عن إدارة الكوارث ضبابية كالدخان المتصاعد من ركام البيوت. تتعدد الجهات وتتقاطع الصلاحيات، فيضيع القرار بين مكتب وآخر، ويعلو صوت الرعب فوق صوت التنسيق.
فما الجدوى من وجود خطط طوارئ إن لم يُحدد من يُشغّلها؟ وما الفائدة من ميزانيات مرصودة إن لم تُعبأ في الوقت المناسب؟ حين تغيب الهياكل المؤسسية الواضحة، تصبح الاستجابة مؤجلة، والإغاثة عشوائية، وتتحوّل ساعات الحسم إلى فوضى مرتجفة لا تملك غير انتظار المعجزة.
هل لدينا هيكل واضح لإدارة الكوارث؟ أم أن القرارات ترتجل من مكاتب عاجلة؟
في لحظات الخطر، لا يحتمل الوطن ارتباكًا إداريًا أو تساؤلات ضائعة. حين تصرخ sirens الإسعاف في العتمة، لا مجال لارتجال القرارات من مكاتب معزولة خلف أبواب مغلقة. الناس لا ينتظرون ورقة توقيع، بل ينتظرون يدًا تمتد، وطريقًا يُفتح، وخطة تسير كما يجب. ولكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من قرارات إدارة الكوارث في بلداننا تصدر في اللحظة، من غير استعداد حقيقي أو بروتوكولات معلنة.
لا يُعرف من يملك الكلمة الفصل، ولا من يتحمل مسؤولية تأخير القرار. المحافظ ينتظر توجيهًا من العاصمة، والعاصمة تنتظر تقريرًا من لجنة ميدانية لم تصل بعد. والكارثة لا تنتظر أحدًا. الكتل الخرسانية لا تؤجل سقوطها حتى تنعقد غرفة عمليات، والمياه لا تغيّر مجراها ريثما تُحدد جهة الاختصاص.
غياب الهيكل الواضح لإدارة الكوارث يجعل الاستجابة أشبه بمحاولة إطفاء حريق بالهاتف. تضيع الدقائق الذهبية في المكالمات، ويُلقى باللوم في الاتجاهات الأربعة، بينما ينهار منزل، أو يُحاصر حي، أو تُبتلع قرية تحت الوحل. وفي النهاية، نحصي الخسائر لا بعيون الضحايا فقط، بل بمرارة سؤال: ألم يكن بالإمكان إنقاذهم لو كانت الإدارة أكثر جاهزية وانسجامًا؟
البلدان التي تعرف من يتخذ القرار، ومتى، وكيف، هي البلدان التي تنجو بأقل الخسائر. أما حين تبقى الملفات في الأدراج، والخطط غير مفعّلة، فإن كل كارثة تصبح تكرارًا مأساويًا لدرس لم يُفهم بعد.
من يقرر؟ من يُبلّغ؟ من يُنفّذ؟
في لحظة الصدمة، حين تنقلب الحافلة على جانبها أو تتصادم السيارات كأنها رقع من صفيح تكسّرت على الإسفلت، يعلو الصراخ قبل أن يصل صوت الإسعاف، وتشتعل الأسئلة في الهواء أسرع من أضواء الطوارئ. من يقرر؟ من يُبلّغ؟ من يُنفّذ؟ كل ثانية تمرّ تحمل حياة، أو تفقد أخرى، وكل تردد في سلسلة القرار يُقاس لا بالوقت، بل بعدد من يُفقد إلى الأبد.
في حوادث الطرق التي أصبحت يومية، بل شبه روتينية، تُسفك الأرواح على الأسفلت وكأنها لم تكن. حادث أتوبيس أطفال في طريق صحراوي. انقلاب شاحنة تحمل عمّالًا فقراء يعودون من يوم شاق إلى بيت من طين. تصادم قطارات في وضح النهار. الأسباب تتكرر: طريق غير مضاء، سائق لم ينم، إشارة لا تعمل، سيارة إسعاف تأخرت لأن لا أحد أخبرها بسرعة كافية، أو لأن الهاتف كان مشغولًا في جهة لا تعلم شيئًا عن الواقعة.
من يملك الزر الأول في منظومة البلاغ؟ هل هو شرطي المرور؟ هل هي إدارة الأزمات؟ هل هو مواطن يبادر بالاتصال ولا يعرف إن كان سيتلقى الرد؟ ومن الذي يقرر سرعة التحرك؟ هل نملك قاعدة بيانات دقيقة عن أقرب مستشفى؟ عن مكان الحادث؟ عن عدد المصابين؟ أم أننا نكتشف ذلك متأخرين، حين يكتظ المكان بالدماء والحيرة، وتنهار الأجوبة على رؤوس المسعفين؟
نُسأل دائمًا: لماذا تتكرر المآسي نفسها؟ والجواب يلوح واضحًا في غياب من يملك القرار النهائي، وفي تشتت الجهات المعنية وكأن كل واحدة تنتظر الأخرى. فلا يوجد مركز واحد موحّد للإنذار، ولا خطة واضحة تُسلم المفتاح من اليد إلى اليد دون تضييع. التعليمات قديمة، أو غير محدثة، أو لا يعرفها من في الميدان. فيختلط البلاغ بالتردد، والتحرك بالتأخر، والنجدة بالعجز.
الطرقات ليست فقط معابر للناس، بل مرايا للحوكمة، وشواهد على غيابها. حين تكون الأرواح أقرب إلى الإحصاءات منها إلى الوجود، نعلم أن الفشل ليس في العجلة التي انفجرت، بل في سلسلة طويلة من الإهمال المؤسسي، من ضعف التنسيق، من غياب البروتوكول المُفعّل، من سؤال يُطرح بعد فوات الأوان: من كان مسؤولًا، ولماذا لم يتحرك؟
ولعل أبشع ما في الحكاية أن معظم الحوادث كانت قابلة للتجنّب، لو كان القرار واضحًا، والتبليغ فوريًا، والتنفيذ محسومًا. لكن حين تبقى الأرواح معلقة بين ملف هنا وآخر هناك، لا عجب أن يصبح الطريق مقبرة، والمساء عزاءً لا ينتهي.
حين تتحول الحوادث إلى صفحات يومية، ويغدو الطريق مصيدة تنتظر الضحية، نعلم أن الأمر ليس طارئًا، بل نتاج تراكم الإهمال المؤسسي. آخر تقرير رسمي من جهاز “CAPMAS” كشف أن عدد وفيات حوادث الطرق في مصر سجل حوالي 5,861 وفاة عام 2023، مقابل 7,762 وفاة عام 2022، أي انخفاض بنسبة 24.5%، لكنه تصعيد في الإصابات بنسبة 27% ارتفاع إلى 71,016 إصابة
وفي عام 2024، سُجل 5,260 حالة وفاة، بانخفاض إضافي 10.3% عن 2023، لكن الإصابات ارتفعت مجددًا إلى 76,362 إصابة، أي زيادة قدرها 7.5% المعدل الآن 5.6 وفيات لكل 100 ألف نسمة عام 2023، ثم 4.9 في 2024(Ahram Online).
هذه الأرقام تدلّ على واقع مأساوي: رغم تراجع عدد الوفيات، إلا أن الإصابات زادت، بينما النظام الحكومي لا يزال يعزف لحن التنفيذ بصوت متأخر.
في حوادث الطرق الحديثة — كالطرق الصحراوية السريعة والمشروعات القومية الجديدة — لا بد من تحديد دور واضح لمن يتحكّم في الإنذار، ومن يُبلّغ، ومن يُحرّك رجال الإسعاف والإطفاء. لكن الإدارة لا تزال ضعيفة: لا قناة اتصال موحّدة، ولا قاعدة بيانات عن مواقع الحوادث، ولا جدول متابعة سريع للمصابين، فتضيع دقائق الأمل في التردد المؤسسي.
هذا الفشل لم يتسبب به الطقس فقط، ولا الطريق وحده، بل إدارة بلا هيكل، واتصالات تأخذ وقتًا أطول من الطريق نفسه، وقرارات تُرتجَل بارتباك. الضحية الأولى ليست الزجاج المحطم، بل الخلل في الحلقة: من يقرر؟ من يُبلّغ؟ من يُنفّذ؟ والنتيجة، كما تُظهر الإحصائيات، أن الإصابات تزداد، والوفيات قد تنخفض مؤقتًا، لكنه حساب لحياة ليست كلها تُحسب بالأرقام.
حين نعرف من يضغط الزر، ومن يفتّح النافذة، ومن يقود سيارة الإسعاف، نكون قد أنقذنا مزيدًا من الأرواح. أما حين تُملى الأوامر بلا خطة واضحة، فتصبح الحوادث متكررة، والإصابات عددًا أكبر، والكوارث أقرب مما نتخيّل.
أمثلة على الفوضى المؤسسية أو تضارب الصلاحيات في مواجهة الكوارث
. حين تضرب الكارثة باب المدينة، لا يكون الخطر في العاصفة وحدها، بل في فوضى الأوامر، في تضارب المسؤوليات، في صمت الهاتف حين يُفترض أن يُدوّي بالإنذار. في الدول النامية، لا تمشي الكارثة وحدها، بل تُرافقها قوافل البيروقراطية، وأسراب القرارات المتأخرة التي لا تعرف من أين تبدأ، ولا إلى من تصل. في لحظة الارتباك، لا أحد يعرف من القائد، ولا من المتحدث، ولا من صاحب القرار الأخير.
في السودان مثلًا، حين اجتاحت الفيضانات الضواحي المحيطة بالخرطوم في عام 2020، غرقت مئات البيوت، وتحوّلت القرى إلى بحيرات. لكن المياه لم تكن هي الكارثة الوحيدة، بل ارتباك الحكومة في توزيع الأدوار. وزارة الري تُعلن حالة الطوارئ، بينما وزارة الداخلية تدرس الموقف، والمحليات تنتظر تعليمات لا تأتي. والنتيجة؟ تأخرت الإغاثة، فمات بعض المحاصرين غرقًا لا لأن الماء كان أقوى، بل لأن القرار كان أبطأ.
وفي لبنان، بعد كارثة مرفأ بيروت 2020، لم يكن الانفجار وحده مروعًا، بل حالة التخبط التي أعقبته. من المسؤول؟ المرفأ تحت سلطة الجمارك، والجمارك تحت إشراف القضاء، والقضاء يشير إلى الأجهزة الأمنية، والأمن يتحدث عن أوامر سياسية مؤجلة. تضارب الصلاحيات لم يسبب الانفجار، لكنه ساهم في أن يتكرر بصيغة أخرى: تأخر في انتشال الجثث، في إجلاء الجرحى، في توصيل المساعدات. حتى التحقيق نفسه أصبح ساحةً للصراع المؤسسي، لا للحقيقة.
في تونس، خلال حرائق الغابات المتكررة في الشمال الغربي، برز مثال آخر على فوضى التداخل: الحماية المدنية تُطالب بالدعم الجوي، ووزارة الدفاع تتأخر في الرد، والبلديات عاجزة عن التحرك دون أمر المحافظ، والمحافظ ينتظر التنسيق مع العاصمة. الوقت يمضي، والنار لا تنتظر البيروقراطية. فأحرقت ما لم تحرقه منذ سنوات، بينما الجهات المعنية ما زالت تعقد الاجتماعات الطارئة بلا خطوط نار واضحة.
وفي المغرب، خلال زلزال الحوز 2023، رغم السرعة النسبية في استجابة الجيش والفرق الطبية، ظهرت بعض أوجه التضارب في إيصال المساعدات للقرى المعزولة. جمعيات محلية كانت قادرة على الوصول، لكن دون إذن رسمي، أوقفتها الحواجز. بعض المسؤولين فضلوا التنسيق المركزي، بينما احتاج الواقع لقرارات محلية عاجلة. فتأخرت الخيام، وتعثرت المساعدات، وسُجّلت شكاوى من السكان عن مناطق لم يصلها شيء لأيام.
أما في مصر، فقد كشفت سيول أسيوط 2016 عن خلل في التنسيق بين المحافظات والمركز. الدفاع المدني كان يعلم بالخطر، لكن الإدارات المحلية لم تكن جاهزة، فغمرت المياه مدارس ومستشفيات دون خطة إخلاء واضحة. الجميع يعرف عن وجود خرائط للسيول، لكنها كانت محفوظة في أدراج لا تفتح إلا بعد الكارثة، كما لو أن النكبة هي المفتاح الرسمي للوعي المؤسسي.
هذه الأمثلة، في مجموعها، تكشف أن الكارثة حين تأتي لا تقتل فقط بالبراكين أو الفيضانات أو النيران، بل تُجهز على الأرواح بفوضى الإدارة، وصمت التنسيق، وتضارب التوصيفات. لأن الأزمات لا تُدار بلجان عاجلة تُشكّل بعد وقوعها، بل بنُظم حوكمة تُبنى قبلها بسنوات، وتختبر قبل أن يُختبر الناس. ففي غياب وضوح القرار، يُصبح كل مسؤول جزيرة معزولة، وكل وزارة دولة مستقلة، والمواطن ضحية لا للخطر وحده، بل لضياع البوصلة في متاهة الأوامر.
3ـ التشتت الإداري وتضارب الصلاحيات:
في لحظات الخطر، لا ينهار فقط ما شُيّد من حجر، بل ما لم يُشيَّد من تفاهم. فحين تتضارب الأوامر، ويتوزع القرار على موائد متعددة لا تتواصل، تُصبح الدولة نفسها ساحة أزمة. لا بسبب قوة الكارثة، بل بسبب هشاشة التنسيق. هناك، في دهاليز الإدارة، تتصارع الصلاحيات، ويتأخر الفعل، ويضيع المواطن بين وزارة تنتظر، ومحافظة تتحفّظ، ومكتب يكتب تقريرًا لا يُقرأ إلا بعد أن تنطفئ النيران أو تجفّ المياه.
بين الوزارات، وبين المحافظات، وبين المحليات والسلطة المركزية.
حين تتحدث أجهزة الدولة بلغات مختلفة، لا يسمعها المواطن إلا على هيئة تأخير في الإغاثة، أو ارتباك في القرار، أو غياب تام في لحظة الخطر. في بلداننا النامية، لا تقتل الكوارث وحدها، بل يقتلها أيضًا صمت الهاتف بين وزارة وأخرى، وتأخر الفاكس بين محافظة وأمانة مركزية، وانشغال المحليات بجمع القمامة بينما السماء تهدد بالغضب.
بين وزارة الإسكان ووزارة البيئة، من المسؤول عن خرائط الفيضانات؟ بين وزارة النقل ووزارة الداخلية، من يتدخل حين تنقلب حافلة في طريق جبلي لا يعرفه سوى الأهالي؟ المحافظات تتلقى تحذيرات الطقس، لكنها أحيانًا لا تملك المعدات، والوزارة تملكها، لكنها لا تملك سلطة التحرك. السلطة المركزية تُدير من بعيد، والمحليات تتصرف بلا صلاحيات، فيموت القرار في منتصف الطريق، كما تموت الأرواح على الإسفلت أو تحت الأنقاض.
وفي كل هذه الفوضى، يظل المجتمع المدني حاضرًا على الورق، غائبًا في الميدان، يُستدعى بعد الكارثة لا قبلها، يُطلب منه الإغاثة، ولا يُشرك في التخطيط أو التوعية أو تدريب المجتمعات. مع أن جمعيات صغيرة في قرى نائية قد تعرف مسارات السيول أكثر من أي هيئة جيولوجية، ومع أن متطوعًا واحدًا أحيانًا ينقذ أكثر من قافلة رسمية متأخرة.
التنسيق بين الأطراف ليس رفاهية إدارية، بل حياة أو موت. والخطر لا ينتظر أن تُحسم الصلاحيات. الكارثة حين تضرب، لا تطرق باب الوزارة، بل تقتحم بيوت الناس، وتفضح غياب المنظومة، لا غياب المسؤول فقط.
تأثير ذلك على سرعة وفاعلية التدخل.
حين تضيع الدقائق في دهاليز البيروقراطية، يتحول الخطر إلى مأساة، وتتحول الكارثة من عاصفة عابرة إلى جرح مفتوح لا يندمل. سرعة الاستجابة ليست تفصيلاً إدارياً، بل هي الفارق بين الحياة والموت، بين إنقاذ عائلة وانتشال جثثها، بين احتواء أزمة وتركها تتمدد كحريق في الهشيم. لكن في غياب التنسيق، وفي ظل تشتت الأدوار وتضارب الصلاحيات، لا تأتي النجدة في الوقت المناسب، بل تصل متأخرة دائماً، كأنها تسير على أطراف الخريطة، مترددة، تبحث عن توقيع أو إذن أو تصريح.
في لحظة الخطر، لا يُسأل المواطن عن الهيكل الإداري، بل ينظر إلى الأفق وينتظر من يأتي. لكن من يأتي؟ هل هو المحافظ أم وزير التنمية المحلية؟ هل تتدخل وزارة الدفاع أم تنتظر الداخلية؟ من يفتح المخازن؟ من يُحرّك الجرافات؟ من يُصدر أمر الإخلاء؟ تلك الأسئلة لا تُطرح في الاجتماعات، بل تَطرح نفسها بحدة فوق الأنقاض، وتُكتب بالدماء على أرصفة المدن المنكوبة.
حين تكون القرارات مرتجلة، تأتي قوافل الدعم بعد أن تخفت النار، وتُبنى مراكز الإيواء بعد أن يصبح العراء هو الحل الوحيد. سيارات الإسعاف تضيع في العناوين، والمستشفيات تستقبل الجرحى بلا تجهيزات، وكأننا لم نتعلم من الكوارث السابقة، وكأن كل كارثة هي الأولى، وكل كارثة تُفاجئنا من جديد، رغم أنها جاءت بخطى معلنة، وتوقيتٍ معلوم، وملامح مكرّرة.
بطء التدخل لا يُقاس بالزمن فقط، بل بعدد الأرواح التي تُزهق وهي تنتظر. والتدخل غير الفعّال لا يُقاس بعدد العربات والبطاطين، بل بمدى الجاهزية، ومدى فهم الواقع المحلي، ومدى إشراك الناس في إدارة الخطر قبل وقوعه. لأن الكارثة لا تعترف بالتراتبية الإدارية، ولا تنتظر أوامر من الأعلى. إنها تختبر الجاهزية، وتفضح غيابها، وتُحرج الخطط التي لا تغادر الأدراج.
إن لم تُبنَ جسور بين الوزارات، ولم تُفتح قنوات سريعة بين المركز والمحليات، وإن لم يُدمج المجتمع المدني كفاعل أساسي، فستظل الكوارث تختبرنا… ونرسب فيها مرة بعد أخرى، وندفع الثمن من أعمار الناس وأمن البلاد واستقرارها.
4ـ ضعف التنسيق المتعدد المستويات:
في لحظة الكارثة، لا يكفي أن تتحرك جهة واحدة، بل يجب أن تتحرك الدولة كجسد واحد، متماسك الأعصاب، سريع النبض. لكن حين تنقطع الإشارات بين الرأس والأطراف، يتعثر الجسد، ويتأخر الرد، وتتشظى الجهود بين من لا يملكون القرار، ومن يملكونه ولا يسمعون النداء. هنا، يتجلى ضعف التنسيق المتعدد المستويات، لا كفشل إداري فحسب، بل كخلل وجودي يُعرّي هشاشة المنظومة، ويحوّل كل خطة إلى حبر لا يقاوم النيران.
نقص في الربط بين الجهات المركزية والمحلية.
حين يتحدث المركز بلغة لا تفهمها الأطراف، وحين تنتظر القرى إشارة لا تأتي من العاصمة، يصبح الخطر أسرع من القرار، والكارثة أسبق من النجدة. نقص الربط بين الجهات المركزية والمحلية لا يعني فقط بطئًا في الاستجابة، بل يعني غربةً داخل الوطن، حيث لا تعرف الوحدة المحلية ما ينتظرها، ولا تملك الأدوات لتواجهه، بينما تعكف الوزارات في العاصمة على خطط ورقية لا تعرف طريقها إلى الأرض.
في مشهد مألوف ومتكرر، تسقط أمطار غزيرة في بلدة نائية، تغرق الشوارع، وتُعزل البيوت، بينما يُكتب في تقارير المركز أن “الوضع تحت السيطرة”. لكن في الحقيقة، لا أحد سيطر، لأن التنسيق غائب، والخطوط بين الطرفين معطّلة. البلديات المحلية، التي تعرف التضاريس والناس والمخاطر، لا تُستشار في صنع القرار، بل يُطلب منها التنفيذ دون أن تُزوَّد بالإمكانيات أو المعلومات.
الخطورة لا تكمن فقط في غياب المعدات أو ضعف الكوادر، بل في أن النظام نفسه لا يمنح لتلك الأطراف الصوت ولا المرونة. فإذا غابت الكهرباء أو تعطلت شبكة الاتصال، تتوقف الحركة تمامًا، وكأن الدولة ذاتها قد فقدت حاسة اللمس في أصابعها. تتراكم الأضرار، وتضيع الساعات، وتضرب الكارثة بكل ما أوتيت من قوة، فقط لأن الخيط الرفيع الذي كان ينبغي أن يربط المركز بالمحيط قد انقطع، أو لم يُنسج أصلًا.
في بلدان مثل مصر أو الجزائر أو اليمن، كثيرًا ما يشكو مسؤولو المحافظات من أنهم يتلقون التعليمات متأخرين، أو لا يُمنحون صلاحيات اتخاذ القرار في لحظة الأزمة. وبدلًا من أن تكون هناك خطط جاهزة تُبنى بالتشارك، تُملى عليهم مهام من فوق، لا تعرف شيئًا عن الواقع في الأسفل. وهكذا تصبح كل جهة جزيرة، تقاوم بطريقتها، أو تستسلم في صمت، بينما الخسائر تزداد لا لأنها حتمية، بل لأننا لم نعرف كيف نتحدث مع أنفسنا كدولة واحدة، وككائن إداري واحد.
إن غياب هذا التنسيق ليس مجرد خلل في الإدارة، بل خيانة غير مقصودة للحق في الحماية، وإهدار يومي لما يمكن إنقاذه لو فقط تواصلنا كما يجب.
غياب استراتيجيات موحّدة توزّع الأدوار وتحدد المسؤوليات.
حين تقترب العاصفة، لا وقت للجدال. لا مجال لتبادل الاتهامات، ولا نفع من خطط مبعثرة هنا وهناك في أدراج وزارات لا تعرف عن بعضها إلا أسماء المسؤولين. لكن في دولنا، كثيرًا ما تأتي الكارثة لتجد الميدان خاليًا من التفاهم، مزدحمًا بالارتباك، فالجميع حاضر ولكن لا أحد يعرف دوره. في لحظة الحقيقة، لا أحد يملك الخريطة، ولا أحد يعرف لمن يسلّم زمام المبادرة.
غياب استراتيجية موحّدة لا يعني فقط خللًا إداريًا، بل هو غياب البوصلة الجماعية، هو أن تندلع النيران بينما الدفاع المدني لا يعرف ما إذا كان مسؤوله الأعلى في المحافظة أم في الوزارة. هو أن تُحاصر قرية بالسيول بينما الطوارئ تبحث عن اسمها في سجلات متأخرة، وهو أن تُصدر وزارة التعليم قرارًا بإخلاء المدارس دون أن تُنسّق مع المحافظ الذي أغلق الطرق المؤدية إليها. هو ببساطة أن يتحرك الجسد بلا رأس، أو أن يتصارع الرأسان على جسد واحد في لحظة نزيف حاد.
في كل بلد وقعت فيه الكارثة بلا استراتيجيات موحّدة، رأينا المشهد نفسه: فرق إنقاذ تتأخر لأنها لم تُبلّغ، معدات لا تصل لأنها لم تُخصص، ومواطنون يُساقون إلى الفوضى لأن لا أحد وجّههم قبل أن يبتلعهم الطين أو تسقط فوقهم الأسقف. غابت المسؤوليات، فحلّت الفوضى. وبدل أن نسأل بعد الكارثة: “ما الذي حصل؟”، أصبح السؤال الحقيقي: “من الذي كان ينبغي أن يتحرك أولًا؟”.
فبدون استراتيجية وطنية تنسج الخيوط بين الوزارات، وتربط المحافظات بالمركز، وتحدد بدقة من يُصدر الأمر، ومن ينفذه، ومن يموّله، ومن يُراقبه، تبقى كل جهة جزيرة منعزلة، لا تسمع استغاثة الأخرى، ولا تعرف إن كانت هي الطرف المسؤول أو فقط المتفرج. والخطر في هذه الفوضى لا يكمن في حجم الكارثة وحده، بل في حجم الغياب، ذلك الفراغ الإداري والسياسي الذي يسمح للكارثة أن تتمدد، لا لأنها قوية، بل لأننا كنا ضعفاء في التخطيط، ومترددين في التنفيذ، ومشتتين في المسؤولية.
فهل نكتب استراتيجية تنقذنا قبل أن نكتب نعي ضحايانا؟ أم نظل ننتظر أن تعلّمنا الكوارث دروسها بثمن لا يُحتمل؟
5ـ غياب مشاركة المجتمع المدني:
في كل كارثة، لا تكون الدولة وحدها في الميدان. هناك أيدٍ تمتد من قلب الشارع، وصدور مفتوحة للنجدة، وأصوات تعرف الحي والناس والممرات الضيقة التي لا تصل إليها سيارات الإطفاء. لكن حين تُقصى هذه القوى الشعبية، حين يُغيب المجتمع المدني ويُستبدل بصمت رسمي، تصبح الكارثة أكبر من حجمها، ويضيع التضامن في دهاليز البيروقراطية. المجتمع المدني ليس ترفًا يُستدعى بعد أن تهدأ العاصفة، بل هو الشريك الأول في بناء الجسور قبل أن يفيض الوادي، وفي إنقاذ الأرواح قبل أن تُحصى الخسائر.
ما دور الجمعيات، المتطوعين، الإعلام، الجامعات؟
في زمن الكوارث، لا يكفي أن تُطلق صفارات الإنذار من أبراج الدولة، بل يجب أن تهتز الأرض بنداء شعبيّ يعرف طريقه إلى القلوب قبل المكاتب. هنا يظهر الدور العميق للجمعيات المحلية، تلك التي تعرف أسماء السكان وأزقة الحارات، وتفهم الإشارات الأولى للخطر حين لا تزال عيون المسؤولين مغمضة. الجمعيات الأهلية هي أول من يسمع صراخ الأرض، وأول من يفتح الأبواب في العتمة، وهي التي تحوّل الفزع إلى فعل، والنداء إلى شبكة استجابة.
أما المتطوعون، فهم جنود بلا أوامر، يحملون الماء إلى العالقين، ويصنعون من قمصانهم لافتات تحذير، يهرولون حين تتباطأ الدولة، ويملؤون الفراغ حين تغيب الخطط. لا يحتاجون إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى ثقة. لا ينتظرون أوامر مركزية، بل يشتغلون من قاع الخطر، في مواجهة العاصفة، وفي مرافقة الضعفاء إلى برّ الأمان.
ويأتي الإعلام، لا كعدسة تلتقط الخراب من بعيد، بل كقوة تعبئة وتنبيه وتحريك. الإعلام الصادق والمستنير هو الذي يحول الخوف إلى وعي، ويكشف مواطن الخلل، ويمنح المواطن أدوات الفهم لا مجرد مشاهد الرعب. حين يتحالف الإعلام مع العلم، يصبح منصة للإنذار المبكر، ومنبرًا للمعرفة، لا بوقًا للتهوين أو التضليل.
أما الجامعات، فهي العقل الذي يجب أن يُستشار قبل أن تتحرك الجرافات، وقبل أن يُرسم خط بناء في منطقة معرضة للانهيار. الجامعات ليست فقط لتخريج المتخصصين، بل لتكون مختبرًا وطنيًا دائمًا لتحليل المخاطر، ولإنتاج خرائط جديدة للحياة، يشارك فيها الجيولوجي والمخطط والباحث البيئي وعالم الاجتماع. إنها بوصلة العقل في مواجهة جنون الكوارث.
كل هؤلاء، إن اجتمعوا في نظام تشاركي، تتحول الاستجابة إلى ثقافة، والتأهب إلى ممارسة يومية. أما إن استُبعدوا، تظل الدولة تركض وحدها في اتجاه الخطر، بينما الناس تتفرج على مستقبلهم وهو ينهار ببطء تحت أقدام العجز المؤسسي.
هل هناك إشراك حقيقي أم مجرد استدعاء بعد وقوع الكارثة؟
في معظم بلداننا، لا يُستدعى المجتمع المدني إلا حين تصبح الكارثة خبرًا عاجلًا، وحين يتصاعد الدخان من تحت الأنقاض وتُمدد الأجساد تحت الغبار. كأن الجمعيات والمتطوعين مجرد عُدة إسعاف تُفتح في اللحظة الأخيرة، ثم تُغلق سريعًا حين تهدأ العاصفة وتعود الدولة إلى بيروقراطيتها المعتادة. يُستدعون لا للمشاركة في التخطيط، بل لتبرير العجز، لإطفاء الحريق لا لمنع اشتعاله، يُحمَّلون على أكتاف الأزمة دون أن يُسألوا قبلها: ماذا ترون؟ وماذا تقترحون؟ وماذا تحتاجون لتكونوا جزءًا من المنظومة لا ظلًا خارجها؟
في الأوقات العادية، تبقى الجمعيات حبيسة الملفات، تُشهر عند التصريحات وتُنسى عند القرارات. لا صوت لها في المجالس، ولا تمثيل في لجان إدارة المخاطر، ولا مساحة حقيقية لتقول: نحن هنا، نعرف الناس والخرائط، ونرى الخطر قبل أن يظهر على شاشات الرادارات. المتطوعون يُحتفى بهم في الصور، ويُستبعدون من التدريبات، كأنهم مجرّد ديكور إنساني يُستعار عند الحاجة ثم يُعاد إلى الهامش.
الإعلام يُستدعى ليغطي المشهد، لا ليصنع الوعي قبل أن يقع. يُطلب منه أن يطمئن، لا أن يُحذر. أن يُجمل، لا أن يُحاكم. والجامعات؟ تُحاصر بالروتين والميزانيات الهزيلة، كأن عقولها زينة لا شريك. تُطلب دراساتها بعد الفاجعة، وتُهمل توصياتها قبلها.
هكذا نُعيد إنتاج المفارقة: نملك طاقات هائلة، ولا نُحسن إشراكها. نمتلك المعرفة على الرفوف، والخبرة في أحياء الناس، والشغف في صدور الشباب، لكننا نُقصي الجميع لننفرد بالخطأ، ثم نبحث عنهم لنقاسمهم الخسارة.
الإشراك الحقيقي لا يبدأ بعد الكارثة، بل قبلها بسنوات. في خطط المناهج الدراسية، في تدريبات الإخلاء، في اجتماعات المجالس المحلية، في إعداد الخرائط، في توزيع المهام، في منحهم الحق لا الطلب. لأن من لم يُستشَر في السلم، لن ينقذنا في الحرب. ومن لم يُؤمن به كشريك، لن يستطيع أن يرمّم ما لم يُبنَ به.
6ـ أهمية تعبئة الموارد البشرية والمالية:
في زمنٍ تتسارع فيه الكوارث كما تتساقط أوراق الخريف، لا يكفي أن نمتلك الخطط على الورق، ولا أن نرفع الشعارات في المؤتمرات، بل يجب أن نُعبّئ ما هو أعمق: البشر والموارد. فالحماية لا تُبنى بالنوايا، بل بالأيدي المدرّبة، والعقول المؤهلة، والميزانيات التي تعرف أن الوقاية ليست ترفًا بل ضرورة. وفي غياب هذه التعبئة، تبقى الحوكمة خواءً نظريًا، ويتحوّل الخطر إلى مأساة منتظرة لا تجد من يصدّها أو يداوي جراحها.
هل هناك ميزانيات مُخصصة لمواجهة المخاطر؟
في أروقة القرار، تُعلّق ملفات المخاطر على الجدران، تُكتب عليها الخطط بالأحبار الرسمية، وتُرصّ بجانبها التصريحات والوعود. لكن حين تهبّ العاصفة، وحين تهتز الأرض، وحين يغمر الماء المدن والقرى، يُكتشف أن تلك الخطط بلا أرجل، لأن ميزانياتها لا تتجاوز الحبر الذي كُتبت به. فهل هناك حقًا ميزانيات مخصصة؟ أم أن الاعتمادات تظل حبيسة جداول الحسابات إلى أن تنفجر الكارثة؟
في كثير من دولنا، الميزانيات تُصرف بسخاء على مشاريع تلمع في الصور، لكنها تشحّ حين يتعلق الأمر بإقامة مركز إيواء، أو تدريب طاقم إنقاذ، أو تحديث أنظمة الإنذار المبكر. المخصصات المالية لمواجهة الكوارث تُترك غالبًا لمصاريف الطوارئ، تُستدعى بعد فوات الأوان، وبعد أن يُصبح النزيف أكبر من كل شاش.
المال موجود، لكنه لا يُوجّه حيث يجب. تُبنى الكباري، وتُرصف الطرق، وتُضاء الميادين، لكن المدرسة في قرية معرّضة للسيول تظل بلا جدار حماية، والمستوصف الذي يقع في منطقة زلزالية لا يملك حتى خطة إخلاء. ومن يتجرأ ليسأل عن الميزانية؟ من يراجع الفاتورة قبل أن يدفع ثمنها من الأرواح؟
الميزانية ليست فقط رقمًا في بند حكومي، بل هي مرآة لأولويات الدولة. وحين تكون حماية الأرواح والممتلكات في آخر السطر، فلا عجب أن تأتي الكارثة، فتُزلزل كل ما فوقها، وتفضح هشاشة تحتها. نحتاج إلى ميزانيات حقيقية، معلنة، شفافة، تخضع للمساءلة، وتُدار بعقل وقلب، لأن الكارثة لا تنتظر الموافقة على الصرف، بل تقتحم البيوت دون إذن، وتأخذ ما تستطيع.
أين هي الخطط التدريبية وبناء القدرات؟
في كل مرة تضرب فيها الكارثة، يُطرح السؤال ذاته في دهشة حزينة: لماذا لم نكن مستعدين؟ وتأتي الإجابة باهتة، مترددة، مشوبة بالأسف والتبرير: لا خطط كافية، ولا فرق مدربة، ولا أحد عرف ماذا يفعل حين بدأ كل شيء بالانهيار. كأننا لا نتعلم من الدرس، ولا نراكم الخبرة، ولا نؤمن أن التدريب لا يُعطى بعد الكارثة، بل قبلها بزمن طويل، حين يكون الزمن رفيقًا لا خصمًا.
أين هي خطط التدريب؟ أين الورش التي تُجهّز المجتمعات؟ أين المناهج التي تُدرّب الأطفال على الهروب الآمن؟ أين المحاكاة التي تضع الموظف في قلب سيناريو الزلزال، أو السيل، أو الحريق؟ في كثير من الأماكن، لا يعرف المعلم كيف يُخرج تلاميذه من الصف في حال انهيار، ولا يعرف الطبيب في المركز الريفي كيف يتعامل مع عشرات المصابين في وقتٍ واحد، ولا يعرف المواطن نفسه إلى أين يذهب إن سمع صفارة الإنذار ـ إن وُجدت أصلاً.
بناء القدرات ليس رفاهية إدارية ولا بندًا مؤجلًا، بل هو أساس البقاء. لا يكفي أن نملك أجهزة الإنذار، إن لم نملك من يُحسن استخدامها. لا جدوى من الخرائط إن لم تُقرأ، ومن الخطط إن لم تُجرّب. نحتاج إلى أن نحول “ما يجب أن نفعله” إلى “ما تعوّدنا فعله”، إلى ثقافة عامة، لا إلى إجراءات مفاجئة.
بناء القدرات لا يكون في العاصمة فقط، ولا في المؤتمرات اللامعة، بل في القرى النائية، في المدارس، في وحدات الحماية المدنية، في البلديات الصغيرة، في الجمعيات المحلية. نحتاج إلى فرق تتدرب، وموظفين يعرفون أدوارهم، وسكان يُشاركون في التمرين لا في الجنازة.
حين يكون التدريب غائبًا، يصبح الخوف سيد الموقف، والارتباك سيد القرار. لكن حين تُبنى القدرات حقًا، يصير الناس أكثر من ناجين، يصيرون مقاومين، مستعدين، صامدين. فهل نبدأ، قبل أن يأتي السؤال مجددًا: لماذا لم نكن مستعدين؟
7ـ نماذج من الواقع:
دول عربية واجهت كوارث بغياب تنسيق واضح
في الزلازل لا تمهل الأرض أحدًا، وفي العواصف لا تنتظر السماء توقيع قرار، وفي كل كارثة تمرّ على العالم العربي، ثمة مشهد يتكرر بوجعٍ مألوف: أصوات الاستغاثة تسبق صوت الصفارة، والأكف تُرفع لا لتنفيذ خطة طوارئ، بل طلبًا لرحمة لم تأت من المؤسسات. والسبب غالبًا واحد: غياب التنسيق الواضح، وضياع القرار بين الجهات، حتى تكاد الكارثة تُدار بذاكرة الخوف لا بعقل الدولة.
في سوريا، لم يكن الزلزال المدمر الذي ضرب شمال البلاد في فبراير 2023 مجرد كارثة طبيعية، بل فضيحة حوكمة صامتة. انقسمت المناطق بين سيطرة النظام والمعارضة، فتعثرت المساعدات، وتأخرت فرق الإنقاذ، وضاعت الأرواح بين الحدود الجغرافية والسياسية، ولم يكن هناك مركز طوارئ وطني واحد بل مراكز متفرقة، كل منها يتحدث لغة مختلفة. كانت البيوت تنهار بصمت، بينما التصريحات تُتلى من بعيد، بلا خطة موحدة، بلا غرفة عمليات تُدير الفوضى بيد حاسمة.
في لبنان، حين انفجر مرفأ بيروت في أغسطس 2020، كانت الكارثة بحجم مدينة، لكنها لم تُقابل بجهاز واحد متماسك قادر على السيطرة. انفجرت العاصمة، ثم انفجرت الأسئلة: من يحقق؟ من يُسعف؟ من يُنسّق؟ مؤسسات متداخلة، أدوار مرتبكة، وجيش تطوّع لحمل الركام بعد أن غابت الإدارات المعنية. كان الانفجار صورة مصغرة عن غياب الحوكمة: لا مسؤوليات محددة، لا شفافية، لا خطة إنقاذ مُفعّلة، بل مشهد مروّع تتنازع فيه الدولة مع نفسها.
وفي اليمن، تتكرر الكوارث سنويًا مع موسم السيول والفيضانات، لكن دون أي استجابة وطنية متماسكة. الدولة منقسمة، والموارد شحيحة، والقرارات تتأخر حتى يغمر الماء القرى، وتختلط الطين بالأجساد تحت الأنقاض. لا جهة تنسق، لا خرائط إنذار تُوزع، ولا خطط للإيواء تُجهّز. كل شيء يُترك للعشوائية، ولجهود فردية أو مبادرات محلية لا تملك القدرة على الصمود أمام كارثة بحجم وطن.
وفي العراق، حين اشتعلت حرائق الغابات في الشمال، أو انهارت المباني بسبب السيول، كان التنسيق بين المحافظات والوزارات هشًّا إلى درجة الانهيار. الأجهزة التنفيذية تعمل بجزر منفصلة، والاستجابة المركزية تفتقر إلى الجاهزية والتحديث، فلا تدري من المسؤول: هل هو المحافظ؟ أم وزير البيئة؟ أم الدفاع المدني؟ فيضيع الوقت في تبادل التهم بينما تتصاعد النيران.
ما يجمع بين هذه الأمثلة، هو أن الكارثة لم تكن قاسية وحدها، بل كانت الحوكمة الهشة شريكتها، بل أحيانًا كانت سببًا غير معلن في تضاعف الخسائر. حين تغيب الرؤية، وتغيب القيادة الواعية، يصبح التنسيق ترفًا مؤجلًا، ويصبح المواطن وحده في وجه الغضب.
الكوارث لا تحتاج لبطولات مرتجلة، بل لإدارة موحدة، لخطط مجرّبة، لصوت واحد يُنقذ لا يُعلّق. فهل نتعلم من هذه النماذج؟ أم نُبقي على كوارثنا معلّقة بين السماء والأرض، بين وزارات لا تلتقي، وقرارات لا تُنقذ؟
دول أخرى استطاعت الصمود بفضل إدارة جيدة (كأنموذج بنغلادش في الفيضانات)
في عالم يموج بالكوارث، قلّما نسمع عن دولة واجهت الطبيعة لا بالصراخ، بل بالتخطيط؛ لا بالهلع، بل بالحوكمة. لكن بنغلادش، تلك الدولة التي طالما عانت من فيضانات موسمية جارفة، كسرت النمط المعتاد، وقدّمت درسًا عمليًا في كيف تتحول المأساة إلى فرصة لبناء منظومة صلبة لا تنهار مع أول موجة.
كانت بنغلادش، لعقود، نموذجًا تقليديًا في قائمة الضحايا. كل عام تقريبًا، كانت الأمطار تُغرق نصف البلاد، تُشرّد الملايين، وتحصد الأرواح دون هوادة. لكن شيئًا ما تغيّر. لم تنتظر الحكومة أن تتراجع السماء، بل رفعت رأسها نحوها، وبدأت تُفكّر بطريقة مختلفة. بدلاً من حصر الجهد في الاستجابة بعد الكارثة، انتقلت إلى الوقاية، إلى الإدارة قبل الانهيار.
أنشأت بنغلادش نظامًا وطنيًا متكاملًا للإنذار المبكر، لا يعتمد على التكنولوجيا فقط، بل على الإنسان. آلاف المتطوعين دُرّبوا في القرى والمجتمعات المحلية على طرق الإخلاء، والإسعاف الأولي، وإدارة الملاجئ المؤقتة. لم يُترك المواطن ليكتشف الخطر وحده، بل أصبح جزءًا من منظومة تنبّه وتحمي وتحتوي.
الأهم من ذلك، أن الحكومة وضعت خريطة دقيقة لمناطق الخطر، وربطتها بنظام تحذير سريع متعدد الوسائط، يُرسل الإشعارات إلى الهواتف، ويستخدم مكبّرات الصوت في المساجد، وحتى إشارات العلم في المناطق النائية. حين يقترب الخطر، لا أحد يبقى في الظل، ولا قرية تُنسى خلف الجبل.
حتى الملاجئ، لم تُبنَ بطريقة تقليدية، بل صُممت كمدارس تُفتح وقت الحاجة، أو كمراكز صحية، أو كمراكز تجمع نساء وأطفال، بوجود خطة دقيقة لكل حيّ ومجتمع. لم تكن هذه المنشآت مجرد جدران، بل نقاط ارتكاز نفسية تمنح الناس شعورًا بالسيطرة، وبأن الدولة معهم لا فوقهم.
والنتيجة؟ انخفض عدد ضحايا الفيضانات بنسبة تتجاوز 70% خلال العقدين الماضيين، بالرغم من ازدياد قوة العواصف. وصارت بنغلادش تُذكر في المحافل الدولية كنموذج ملهم، لا في حجم الموارد التي وظفتها، بل في عقلانية إدارتها، وفي قدرتها على تحويل الإنسان من ضحية إلى عنصر فاعل في منظومة الحماية.
لم تكن بنغلادش أغنى منّا، ولا أكثر استقرارًا سياسيًا من بلداننا النامية. لكنها عرفت أن مواجهة الكوارث لا تبدأ بالميزانية، بل بالإرادة، ولا تنجح بالقوانين المكتوبة فقط، بل بالتنفيذ العملي، ودمج كل صوت في لحن النجاة.
هكذا، بين الماء والطين، كتبت بنغلادش قصتها الجديدة. قصة شعب لم ينتظر المساعدات، بل سعى إلى المعرفة، وبنى بها سدًّا أقوى من الأسمنت: سدّ الحوكمة الواعية.
لا نحتاج فقط إلى بُطولة في الميدان، بل إلى رؤية واضحة ومسؤولة قبل الكارثة
لا نحتاج فقط إلى بطولة في الميدان، حين تعصف الرياح أو تنهار الأرض تحت الأقدام، بل نحتاج إلى ما هو أعمق وأبقى: نحتاج إلى رؤية، إلى وعي يسبق الانفجار، وإلى حوكمة لا تُولد مع الكارثة بل تتهيأ قبلها بسنوات. فهل يكفي أن نوقع على الاتفاقيات في قاعات المؤتمرات، ونرفع شعارات التنمية المستدامة في الندوات الدولية، ثم نعود لندفن رؤوسنا في رمال البيروقراطية والعجز؟
كم دولة من دولنا النامية – التي وقّعت على اتفاقية سنداي بكامل السيادة – جلسَت مع مواطنيها لتشرح لهم ما وقّعت عليه؟ من قرأ البنود في المدارس؟ من فصّلها في نشرات الأخبار؟ من ترجمها إلى تدريب ميداني أو حملة توعية أو مناهج دراسية؟ لا شيء. كأننا نخجل من التزام قطعناه، أو نخشى أن يفهم الناس ما يفترض أن يُحمِيهم.
الاتفاقيات ليست تعويذات تُعلّق على جدران المكاتب، بل خرائط نجاة لا بد أن تُحفر في ذاكرة المجتمع. لكنها بقيت هناك، على الورق، تصفر الرياح حولها في أدراج الوزارات، بينما تُبنى البيوت على منحدرات الخطر، وتُشيد المصانع قرب الفوالق الأرضية، وتُهدر المياه في بلد يعاني من العطش الهيكلي.
المدارس لم تُحدّث مناهجها لتعلّم الأطفال كيف ينجون، ولا الجامعات خرّجت مختصين في إدارة المخاطر بالعدد الكافي، ولا الإعلام تبنّى القضية كأولوية تتجاوز لحظة وقوع الكارثة. بل ما زلنا نعيش في دوّامة الاستجابة المرتجلة، وفي وهم أن الإنقاذ الشجاع يُغني عن التخطيط الذكي.
إن الحقيقة المُرّة أن اتفاقية سنداي – رغم عمقها ورؤيتها الواضحة – تحوّلت في كثير من بلداننا إلى ورقة منزوعة الفاعلية، لأنها لم تُزرع في تربتنا الثقافية، ولا تُرجمت إلى سياسات تنفيذية، ولا مُنحت الميزانيات الكافية. وعدنا بفعل، فاكتفينا بالتصفيق.
لكن الكوارث لا تنتظر أن نصحو من غفلتنا، ولا تسألنا إن كنّا قد استوعبنا الدرس. إنها تختبرنا على غفلة، وتسقط أقنعتنا مع أول صدمة. وعندها لا تفيدنا الشعارات، بل فقط ما فعلناه على الأرض.
فإما أن نعيد كتابة هذه الاتفاقيات بمداد التنفيذ، وإما أن نظل نقرأها على أرواح الضحايا، كأدعية متأخرة لا تُعيد من رحل، ولا تُنقذ من ينتظر الخطر القادم.
تمهيد للمقال الثالث: الاستثمار في الحد من مخاطر الكوارث.
ليست الحماية من الكوارث رفاهية تُدرج في نهاية الخطط، ولا ترفًا نلجأ إليه عندما تتوفر الفوائض. إن الاستثمار في الوقاية ليس خيارًا ثانويًا، بل هو جدار الأمان الأول، والدرع الذي يُبنى حين تكون السماء صافية، لا عندما يبدأ المطر في الهطول. فالعقل الذي يخطط لمستشفى قبل الزلزال، ويُحصّن مجرى السيل قبل أن يُغرِق المدينة، هو العقل الذي يفهم الزمن، ويقرأ المستقبل كما تُقرأ خريطة النجاة.
وإن كانت الحوكمة هي العقل، فإن الاستثمار هو اليد التي تبني، والموارد هي الوقود الذي يُشعل قطار الاستعداد. فدون تخصيص حقيقي للميزانيات، وبناء كفاءات بشرية مدرّبة، سنظل نرقّع الثقوب بدل أن نمنع تمزّق القماش من الأصل. وما يُصرف على خطط التأهب اليوم، يُوفر أضعافه في أيام الإعمار الطويلة بعد الدمار.
من هنا تبدأ الرحلة نحو المقال الثالث، حيث لا نكتفي بالتشخيص، بل نتجه إلى العلاج الجذري: الاستثمار في الحد من المخاطر. كيف نحول كل قرش يُنفق إلى حاجز صد، وكل تدريب إلى طوق نجاة، وكل مشروع تنموي إلى فرصة لرفع منسوب الأمان؟ في هذا المقال، سنضع المعول في يد المستقبل، وننقش على جدران الوعي أن كل استثمار وقائي، هو إنقاذ مؤجل… لكنه أكيد.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



