«الحشرة الرواغة» بين النفع والضرر المخفي

إعداد: أ.د.مجدي فاروق السماحي
أستاذ النانوتكنولوجي ووقاية النبات بمعهد بحوث وقاية النباتات – مركز البحوث الزراعية

تعد الحشرة الرواغة أحد الأعداء الطبيعية المفترسة الهامة في مصر لأنها تتغذى على الكثير من الآفات الحشرية. تتميز هذه الحشرة بجسمها الأسطواني الأسود أو البني وبجناحيها الأماميين القصيرين (شكل 1)، وتتميز الحشرات تامة النضج بقوة الطيران، وتستوطن المناطق الرطبة وتنشط غالبًا نهارًا، وتفضل الطيران ليلاً، وتجذبها الأضواء الصناعية خاصة الفلوروسنت (برعي 2007).
وفي الوقت الذي اهتم فيه العلماء والباحثون بوجود هذه الحشرة وانتشارها في الحقول كحشرة مفترسة تقضي على الآفات، لوحظ أن بعض الأفراد في المناطق المحيطة بتلك الحقول يشتكون من إصابات خطيرة تشبه الحروق على الجلد دون رؤية أو معرفة ما يسبب تلك الأعراض. ظن البعض أن المسبب هو نوع من الحشرات أو الأكاروسات التي لا تُرى بالعين المجردة، وكانوا يرجعون وجودها في أماكن المعيشة وغرف النوم للإهمال أو عدم النظافة، ولم يتطرق حينذاك لأذهان الكثيرين أن وراء هذه الإصابات حشرة اشتهرت بأنها حشرة مفيدة (الحشرة الرواغة) يمكن أن تسبب تلك الأضرار الخطيرة (برعي 2007).
وبالبحث المرجعي أفادت نتائج بعض الدراسات العلمية أن الأنواع التابعة لجنس البيدرس يحتوي دمها على البيدرين بمعدل يبلغ 0.025% من وزن الجسم تقريبًا، وهي مادة أكثر سمية من سم الكوبرا 15 مرة، وتسبب الالتهابات الجلدية نتيجة هرس الحشرة على الجسم، فيحمر الجلد ويتورم مكان الإصابة، مسببة الهرش مما قد يزيل جزءًا من منطقة الجلد السطحية ويسبب ما يشبه الحروق (Armstrong and Winfield 1969).
وقد تبين أن الإصابة بهذه الأعراض ظهرت في أماكن عديدة من العالم؛ في كمبالا بأوغندا عام 1961، حيث أصيب أكثر من 60% من السكان وتزامن ذلك مع وجود الحشرة على جدران البيوت التي ظهرت بها الإصابة بمعدل ملحوظ يتراوح من 20-30 حشرة، وفي أوكيناوا ظهرت أكثر من 2000 حالة من التهابات وبثرات جلدية vesicular dermatitis، وكذلك في عام 1993 لوحظ في وسط إفريقيا الوسطى إصابات بنفس الأعراض، وكذا على شكل تبقع الجلد بين الجنود البريطانيين في شمال كينيا، وكذلك في عام 1999 في جمهورية إفريقيا الوسطى، وعام 2002 في سيراليون (Williams 1993)، واشتهرت تلك الأعراض بعيون نيروبي لأنها كثيرًا ما كانت تحدث تحت العيون.
وخلال العقد الأول من الألفية الثالثة تبين أن هناك إصابات شبيهة تنتشر بين طلبة وطالبات المدينة الجامعية بمحافظة كفر الشيخ، خاصة بعد انتقال الطلبة إلى المدينة القريبة من الحقول، والتي زودت في الفترة الأخيرة بكثير من لمبات الإضاءة الفلورسنتية. تظهر هذه الإصابات على شكل التهابات جلدية على منطقتي العنق والظهر، والتي ما زال بعضها يترك آثارًا من الاحمرار حتى بعد الإصابة بشهرين، وقد ظلت آثار الإصابة في بعض الحالات واضحة حتى بعد مرور أكثر من سنة (شكل 2).
وقد شكلت الجامعة أكثر من مرة لجانًا مكونة من بعض أساتذة كلية الزراعة والطب البيطري ووزارة الصحة لفحص تلك الظاهرة، ولكن لم تفلح أي منها في تحديد السبب، وكان ذلك يُعزى دائمًا في تقارير تلك اللجان إلى عدم النظافة وانتشار الحشرات الطبية أو البيطرية، مثل البعوض أو الذباب أو الهاموش وبعض الأكاروسات الميكروسكوبية، وبالتالي كانت وسائل المعالجة تُركز على النظافة والمعالجة بالمبيدات للقضاء على تلك الحشرات، وهو ما أخذ جهدًا كبيرًا من وحدة قسم المبيدات الخاصة بالكلية، ودعمتها الجامعة بالإمكانيات اللازمة وأصبح الرش يتم تقريبًا بصفة دورية، إلى جانب الاهتمام بالنظافة والتطهير لكافة حجرات المدينة الجامعية.
تلى ذلك قيام لجنة من قسم الحشرات يرأسها رئيس القسم (د. حسين برعي) في تلك الآونة بزيارة المدينة الجامعية لبحث هذه الظاهرة، ولاحظت اللجنة وجود بعض من تلك الحشرات (الرواغة) ميتة على الأسرة والأرضيات، وتم الإشارة إلى ذلك في التقرير المقدم من قسم الحشرات الاقتصادية، كما أكدت بعض الدراسات الحقلية وجود هذه الحشرة بكثرة داخل حقول البرسيم خلال الفترة من يناير إلى مايو (Rakha 2008)، وكذا خلال شهر ديسمبر في حقول البنجر، وتظهر بصورة وبائية وتكون في أعلى كثافة لها خلال شهري مارس وأبريل (Farag 2005)، وهي نفس الفترات التي تنتشر بها الإصابات بصورة واضحة بين الطلبة، وتنجذب الحشرات بصفة خاصة إلى إضاءة لمبات الفلورسنت وخاصة عند ترك الأبواب والنوافذ مفتوحة (برعي 2007).
وبعد ازدياد شكوى الطلاب والطالبات من تعدد الإصابة والهجمات الوبائية لهذه الحشرة، وخاصة طلاب المدينة الجامعية على وجه الخصوص، ومع ملاحظة أن الطالبات أكثر تعرضًا للإصابة مقارنة بالطلبة، وبدراسة موقع المدينة الجامعية للطلبة والطالبات، تبين أن كلاهما يقع بالقرب من الحقول المزروعة بالبرسيم، كما أفاد بعض الطلاب والطالبات بوجود الحشرة الرواغة أثناء الليل بأعداد كبيرة، ولكنهم استبعدوا أن تكون تلك الحشرة وراء تلك الإصابة، لأنها تعد من الحشرات النافعة ومن المفترسات لبعض الحشرات الضارة، ولم يتخيلوا أنها قد تسبب هذه الأضرار للإنسان.
وكانت أعراض الإصابة على الطلبة والطالبات كالآتي:
-
شعورهم ببعض الالتهابات في المناطق المصابة في الرقبة أو الوجه.
-
ثم تحول لون الجلد إلى الاحمرار مع الشعور بالألم في مكان الإصابة.
-
ثم ظهور فقاعات صديدية تحت الجلد مع اشتداد الألم بشكل لا يحتمل.
-
زيادة الفقاعات في الحجم.
-
يلي ذلك انفجار الفقاقيع الصديدية وخروج السائل الصديدي.
-
ويصبح مظهر الجلد في المنطقة المصابة أشبه بالحرق.
-
وبعد ذلك تأتي مرحلة الجفاف مع ترك أثر على لون الجلد موضع الإصابة، حيث يصبح داكنًا.
واستنادًا إلى العلم والمنطق وآراء أعضاء هيئة التدريس المتخصصين في مجال الحشرات، الذين اشتغلوا على هذه الحشرة وتعاملوا معها، تبين أن حشرة الرواغة ربما تكون هي سبب الإصابة استنادًا لعدة ملاحظات وهي:
-
احتواء جسم الحشرة على مادة شديدة السمية يترتب على ملامستها للجلد هذه الأعراض.
-
إضافة إلى أنهم أكدوا أن دخول الحشرة عن طريق الخطأ إلى الحلق (خلال استخدام الشفاط في صيد الحشرة أثناء تجارب الحصر) يتولد عنه الشعور بابتلاع مادة حارقة.
-
إضافة إلى ملاحظة كثرة أعداد الحشرات الحية والميتة في غرف المدينة الجامعية المجاورة للحقول.
-
كذلك أكدت بعض السيدات القرويات على علمهن بحكم الخبرة بتجنب هذه الحشرة ومكافحتها وطردها من حجرات الأطفال الصغار.
أما عن الجانب المضيء في هذه الحشرة (الحشرة الرواغة)، غير أنها مفترس فعال بالحقول الزراعية، فهناك العديد من الدراسات التي أجريت على مادة البيدرين ووجدوا أن هذه المادة لها القدرة على علاج بعض الأمراض التي تصيب بني البشر مثل مرض السرطان (Kellner 2002).
المراجع:
-
برعي، حسين عبدالمنعم: هل تتحول الحشرة الرواغة إلى حشرة ضارة في مصر، مجلة البحوث الزراعية، كفر الشيخ، 34 (2): 43-45، 2007.
-
Armstrong, R.K. and J.L. Winfield (1969). Paederus dermatitis: an epidemic on Okinawa. Americ. J. Trop. Med. and Hygeine. 18: 147-150.
-
Farag, A.A. (2005). Serological studies on the relationship between some insect pests and their predators. M.Sc. Thesis, Fac. Agric. Kafr Elsheikh, Tanta Univ., 102 pp.
-
Kellner, R. (2002). Molecular identification of an endosymbiotic bacterium associated with pederin biosynthesis in Paederus sabaeus (Coleoptera: Staphylinidae). Insect Biochemistry and Molecular Biology, 32 (4), 389-395.
-
Rakha, O.M. (2008). Studies on the natural enemies of the Egyptian alfalfa weevil. M.Sc. Thesis, Fac. Agric., Kafr El-Sheikh Univ., 95 pp.
-
Williams, A.N. (1993). Rove Beetle Blistering – Nairobi Eye. J. Army Med. Corps. 139: 17-19.
🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.



