رأى

الثقافة وحدها لا تكفي: في وهم الاكتفاء بالتفوق الرمزي دون قاعدة تكنولوجية

بقلم: أ.د.أشرف سليمان

أستاذ الاجتماع الريفي والتنمية الريفية بمركز البحوث الزراعية وأستاذ الأمن الغذائي والسياسات الزراعية بجامعة كيوتو باليابان سابقاً

يشيع في الخطاب العام أطروحة ترى أن عجزنا عن اللحاق بعصر الصناعة والتكنولوجيا يمكن تعويضه بالرهان على ما نمتلكه من إنتاج فكري وثقافي وأدبي وفني، وكأن «السوق الحقيقي» الذي يمكن أن ننافس فيه هو سوق المعنى لا سوق المادة. هذه الأطروحة تبدو جذابة من حيث الظاهر، لكنها تجانب الصواب عند إخضاعها لقدر يسير من التحليل التاريخي والواقعي.

الدرس الياباني: من الاستيراد إلى التكييف ثم الإبداع
اليابان مثال صارخ على أن استيراد التكنولوجيا ليس قدَرًا بالاعتماد الدائم على الخارج، بل يمكن أن يكون مرحلة في مسار الاستقلال الصناعي والعلمي. فاليابان بدأت فعلًا بالاعتماد على استيراد الماكينات والتكنولوجيا من الغرب، لكنها لم تكتفِ بوضع العامل الياباني أمام الماكينة الغربية وتشغيلها كما هي، بل دخلت في مسار طويل من التكييف والتطوير والتحسين المستمر، حتى صارت تنتج تكنولوجيتها الخاصة في السيارات والإلكترونيات والروبوتات والصناعات الدقيقة. وقد جرى كل ذلك بالتوازي مع حفاظها على شخصية ثقافية وأدبية وفنية ذات طابع خاص، لا تُختزل في تقليد أعمى ولا تنغلق في تراث جامد.

يُظهر هذا المثال أن العلاقة بين التكنولوجيا والثقافة ليست علاقة تعويض؛ لا توجد «ثقافة قوية» تعوّض عن غياب قاعدة صناعية وعلمية، كما لا توجد «آلة قوية» تستغني عن عمق ثقافي وقيمي. المسار الياباني يبيّن أن من الممكن توطين التكنولوجيا وتطويرها ضمن أفق ثقافي تاريخي مميز، لا خارجه ولا ضده.

أوهام التفوق الثقافي المنعزل
لا توجد دولة تُوصَف اليوم بأنها «متقدمة» بنت مكانتها على منتج ثقافي أو رمزي وحده. قوة هذه الدول تُقاس، في نهاية المطاف، بقدرتها على تحقيق حدّ أدنى من التوازن النسبي بين عدة مكوّنات:
• قاعدة صناعية وتكنولوجية وبحث علمي.
• حياة ثقافية وفنية وأدبية وفلسفية نشطة.
• بنية مؤسسية في التعليم والرياضة والإدارة والفضاء العام.

صحيح أن بعض الدول تبرز في مجالات معيّنة أكثر من غيرها، لكن لم يحدث أن دولة مهمَّشة اقتصاديًا وتكنولوجيًا صارت «قوة ثقافية» ذات تأثير عالمي مستدام إلا حين ارتبط إنتاجها الرمزي بقوة مادية ومعرفية تسانده. أما الرهان على «المنتج الثقافي الخالص» مع بقاء التبعية التكنولوجية والاقتصادية، فغالبًا ما ينتج عنه ثقافة تتحوّل مع الوقت إلى «منتج متحف» جميل ومثير للحنين، لكنه معزول عن ديناميات القوة التي تُشكّل العالم.

الثقافة بلا تكنولوجيا: طريق إلى التهميش
التركيز الحصري على الجوانب الثقافية، مع إهمال تطوير قاعدة علمية وتكنولوجية وصناعية، لا يقود إلى ريادة ثقافية، بل إلى تعميق التهميش. فالثقافة – كي تكون فاعلة – تحتاج إلى بنية مادية تحتضنها: منظومات تعليم وبحث، صناعة نشر وإعلام، منصات رقمية للتوزيع، اقتصاد معرفة، واستثمارات في أدوات الإنتاج الثقافي نفسها (من السينما والدراما إلى الصناعات الإبداعية الأوسع).

من دون هذه البنية، يصبح المنتج الثقافي عرضةً لأحد مصيرين: إما الانكماش داخل حدود محلية ضيقة، أو الارتهان الكامل لبنى تكنولوجية واقتصادية يملكها الآخر، فيُعاد تشكيله وفق شروط السوق العالمية لا وفق حاجات المجتمع المنتج له. عندئذٍ لا تعود الثقافة قوة تفاوضية، بل مجرد مادة خام ضمن سلسلة قيمة يحددها غيرنا.

السوق الثقافي نفسه صار تكنولوجيًا
حتى لو سلّمنا – جدلًا – بأن «سوقنا الحقيقي» هو الفكر والثقافة والدراما والفلسفة، فإن هذا السوق لم يعد اليوم منفصلًا عن البنية التكنولوجية العالمية. المنصات الرقمية الكبرى، وخوارزميات التوزيع والاقتراح، واقتصاد البيانات، والصناعات الإبداعية المترابطة، كلها تجعل من التكنولوجيا وسيطًا لا غنى عنه لوصول أي منتج ثقافي إلى جمهوره، محليًا وعالميًا.

بمعنى آخر، لم يعد ممكنًا تخيّل «تفوق ثقافي» في فضاء منزوع التكنولوجيا. الاستثمار في التكنولوجيا لم يعد نقيضًا للثقافة، بل شرطًا لحمايتها وتوسيع نطاق تأثيرها. من يملك المنصة يملك إلى حد بعيد شروط ظهور المحتوى، ومن لا يملك إلا المحتوى يجد نفسه في موقع التابع، مهما ادعى النقاء الثقافي أو التفوق الرمزي.

نحو رؤية تكاملية: ثقافة تُوجّه وتكنولوجيا تُحرِّر
الأجدى إذن أن يُنظر إلى الثقافة والتكنولوجيا بوصفهما مجالين متداخلين ينبغي بناؤهما معًا، لا وضعهما في حالة خصومة زائفة.
• ثقافة نقدية قادرة على مساءلة التكنولوجيا وتوجيهها أخلاقيًا، حتى لا تتحول إلى أداة استلاب أو هيمنة أو تشييء للإنسان.
• تكنولوجيا وطنية – أو على الأقل مُوطَّنة – تمكّن هذه الثقافة من البقاء حيّة، قادرة على إنتاج خطاب بديل، وعلى صناعة صورها وحكاياتها وأدوات تعبيرها.

في غياب هذه الرؤية التكاملية، يتحوّل الفخر بـ«قوتنا الثقافية» إلى تعزية رمزية أكثر منه برنامجًا عمليًا للخروج من الهامش. أما حين يجتمع عمق ثقافي حيّ مع مشروع علمي وتكنولوجي جاد، تصبح الثقافة مورد قوة حقيقيًا، لا ترفًا زخرفيًا يُزيّن هامش نظام عالمي تتحكم فيه بنى القوة المادية والمعرفية معًا.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. المقال يقدم نظرة تحليلية ورؤية فلسفية عميقة تبرز زيف التركيز على البعد الثقافى على حساب البعد التكنولوجى فى عصر أصبح فيه الإنتاج الثقافى بكافة أشكاله وأنواعه مرتبط جدا بالتكنولوجيا التى تمثل روح العصر وبدونها او فى غيابها ينحصر الإنتاج الثقافى فى القالب المتحفى والتاريخ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى