رأى

التماسك الأسري الريفي بين المفهوم النظري والواقع الميداني

بقلم: أ.د/أسامة متولي محمد

أستاذ الاجتماع الريفي- كلية الزراعة- جامعة الفيوم

 لا يوجد مجتمع قائم بالفعل ولا يشتمل على بناءات أسرية على أية صورة من الصور، إلا أنه من الصعوبة بمكان أن يتفق الباحثين في هذا المجال على تعريف شامل لمفهوم “الأسرة“، وذلك نظراً لتعدد أنماطها وتباين أشكالها وصورها. فمن منطلق علاقات التعاون الاجتماعي والاقتصادي بين أفرادها، يعرف جامع (2010: 22) الأسرة بأنها وحدة اجتماعية تتسم بالتعاون الاقتصادي، وإدارة الإنجاب وتنظيمه ورعاية الأطفال، وكذلك بالسكن والحياة المشتركة، وتشتمل الأسرة على البالغين من الذكور والإناث الذين يمارسون علاقات جنسية مقبولة اجتماعياً، ويلتزم أعضاء الأسرة من الأطفال والبالغين بحقوق والتزامات محددة نحو بعضهم البعض.

ولإبراز وظيفة الأسرة في إشباع الحاجات الإنسانية، يعرف رمضان (1999: 24) الأسرة بأنها وحدة بيولوجية اجتماعية مكونة من زوج وزوجة وأبنائهما، وهي بذلك تشكل نظاماً اجتماعياً يقوم بإشباع الحاجات الإنسانية لأفراده.

وللدلالة على مكانات وأدوار أفرادها، تعرف سناء الخولي (1984: 39) الأسرة بأنها مجموعة من المكانات Statuses والأدوار Roles المكتسبة عن طريق الزواج والإنجاب، وعلى ذلك يعتبر الزواج شرطاً أولياً لقيام الأسرة.

وللأسرة الريفية عدة خصائص تميزها عن غيرها من الأسر، تلك الخصائص التي فرضتها مهنة الزراعة التي يعمل بها غالبية الأسر الريفية، والتي تعتبر المصدر الرئيسي لرزقهم، ولعل من أهم هذه الخصائص أن الزراعة قد جعلت من الأسرة الريفية وحدة إنتاجية ووحدة استهلاكية في ذات الوقت، وقوت من السلطة الأبوية في الأسرة، علاوة على اعتبار مهنة الزراعة والتي تعتمد بدرجة كبيرة على العمل اليدوي أحد أسباب ارتفاع خصوبة السكان الريفيين وكبر حجم الأسرة الريفية (العزبي، 2010: 198).

ويعتبر التماسك الأسري جزءاً من التماسك الاجتماعي، وهو شرط رئيسي لنجاح الأسرة في تحقيق أهدافها وإثبات وجودها. وللتماسك الأسري تعريفات عدبدة، حيث يعرفه وافي (1988: 23) على أنه روابط التآزر والوحدة التي توجد في الحياة الدائمة للأسرة والتي من أهمها وجود مصالح وأهداف مشتركة وعواطف وشعور بالتساند الاقتصادي. كما تعرف علياء شكري (1989: 237) التماسك الأسري بأنه العملية التي بواسطتها تتلاءم الأسرة مع أهدافها، وتستطيع البقاء. ويذكر ريحان (2009: 10350) أن التماسك الأسري هو العلاقة الأسرية الناجحة التي تقوم على التفاعل الدائم بين أفراد الأسرة جميعاً، والتي تهيئ الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية اللازمة لإشباع احتياجاتهم في مراحل النمو المختلفة.

ويقوم التماسك الأسري على تفاعل عناصر كثيرة مع بعضها البعض، هذه العناصر قد تكون بيولوجية أو سيكولوجية أو اجتماعية أو اقتصادية أو قانونية. وفي هذا الصدد يذكر متولي (2003: 15) نقلاً عن بلود Blood أن أهم العناصر اللازمة للحفاظ على التماسك الأسري هي: التلاؤم بين الزوجين، والقدرة على حسم الصراعات والمشاكل التي تتعرض لها الأسرة، والقدرة على تحمل أفراد الأسرة لبعضهم وقت الشدة أو المرض أو الصعاب، ومدى توافر المساعدات الخارجية للأسرة. وتضيف علياء شكري (1989: 240) ثلاثة عناصر أخرى تعمل على تدعيم وتماسك الحياة الأسرية وهي: توافر القيم الأخلاقية لدى أفراد الأسرة، وتوافر دخل كاف لدى الأسرة للحفاظ على مستوى معيشة لائق بها، وقدرة الأسرة على مسايرة العادات والتقاليد السائدة في المجتمع الذي توجد فيه. كما يضيف وافي (1988: 33) العناصر التالية للتماسك الأسري: اتفاق أعضاء الأسرة على البناء الاجتماعي للأدوار، وإخضاع الطموح والرغبات الشخصية لأهداف الأسرة، والرضا عن الأسرة، وإدراك أهداف الأسرة والمشاركة فيها بطريقة جمعية.

ولقد ساهمت بعض الدراسات السابقة في تقديم إفادات نظرية ومنهجية للدراسة الحالية، سواء تلك الدراسات التي تناولت بصورة مباشرة قضية “التماسك الأسري“، أو غيرها من الدراسات التي تناولت الجانب السلبي من القضية وهو “التفكك أو الانهيار الأسري”. وفي هذا الصدد، فقد تبين من دراسة باليمر (Palemer, 1971) عن أسباب الانهيار الأسري بإحدى القرى الكندية، أن أهم هذه الأسباب هي: عدم استعداد الأزواج لتحمل مسئولية الزواج، وانخفاض الدخول وما يصاحبه من انخفاض مستويات المعيشة بصفة عامة، وعدم القدرة على مواجهة الأزمات والمشكلات الأسرية، والقصور في التربية الجنسية، والسلوك السيئ للأزواج.

وفي دراسة (جوهر، 1990) والتي استهدفت بناء مقياس لتحديد مؤشرات التفكك الأسري، فقد انطوى المقياس المقترح بهذه الدراسة على خمسة محاور رئيسية تشكل في مجملها المفهوم الإجرائي للتفكك الأسري، وهذه المحاور هي: حالة الضعف أو الانحلال التي قد تصيب العلاقة بين الزوجين، وحالة الضعف أو الانحلال التي قد تصيب العلاقة بين الآباء والأبناء، وحالة الضعف أو الانحلال التي قد تصيب العلاقة بين الأبناء وبعضهم البعض، وفشل نسق الأسرة في مواجهة الخلافات الأسرية والضغوط الخارجية.

أما دراسة (متولي: 2003) عن التماسك الأسري وأثره على أفراد الأسرة في تنمية المجتمعات الصحراوية الجديدة، فقد حددت الدراسة مفهوم التماسك الأسري على أنه يتضمن المحاور الثلاثة التالية: الاتصال الأسري، وإسهام الزوجة في اتخاذ القرارات الأسرية، ودرجة التكافل الاجتماعي الأسري. كما أوضحت الدراسة أن أهم المتغيرات المرتبطة بمستوى التماسك الأسري للمبحوثين هي: سن الزوج، ومستوى تعليم الزوج، وسن الزوجة، ومستوى تعليم الزوجة، وحجم الأسرة، والدخل الأسري، ومدة الزواج، وعضوية المنظمات، والاتصال بالمسئولين، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية.

وفيما يتعلق بدراسة (حربي، 2003) عن التغيرات البنائية والوظيفية في الأسرة الريفية، فقد أوضحت الدراسة أن نحو 85% من الأزواج المبحوثين يرون أن علاقاتهم بزوجاتهم هي علاقة صداقة، وأن حوالي 92.5% منهم يرون أن علاقاتهم بزوجاتهم قوية، وأن 80% منهم يعتقدون أن خلافاتهم مع زوجاتهم حادة، وأن 50% منهم يرون أن الخلافات بينهم وبين زوجاتهم قد تحدث أحياناً. كما رصدت الدراسة أهم أسباب المشاكل التي تحدث بين الزوجين على النحو التالي: المشاكل المادية المتعلقة بالإنفاق، والخلاف حول أسلوب تربية الأبناء، والخلاف حول تعليم الأبناء، والخلاف حول تحديد واختيار مكان إقامة الأسرة، وتدخل الوالدين في شئون الأسرة.

وأخيراً ففي دراسة (ريحان، 2009) عن الوعي الإداري وعلاقته بالاستقرار الأسري، فقد استخدمت الدراسة في قياس متغير الاستقرار الأسري 50 عبارة تعكس في مجملها مدى قدرة الأسرة على أداء وظائفها، واشباع احتياجات أفرادها سواء كانت هذه الاحتياجات جسمية أو نفسية. وقد توصلت الدراسة إلى وجود علاقة ارتباطية موجبة بين مستوى الاستقرار الأسري للمبحوثين وبين مستوى الوعي بإدارة كلٍ من الغذاء والملبس والمسكن والدخل المالي.

بناءً على الاستعراض المرجعي السابق ونتائج الدراسات السابقة التي تم الاستعانة بها، يمكن استخلاص المكونات والعناصر الرئيسية التي ينطوي عليها مفهوم التماسك الأسري على النحو التالي: قوة العلاقة التفاعلية بين الزوجين، وقوة العلاقة التفاعلية بين الآباء والأبناء، وقوة العلاقة التفاعلية بين الأبناء وبعضهم البعض، والقدرة على مواجهة الخلافات الأسرية والضغوط الخارجية.

الـمــراجــع

  1. الخولي، سناء (1984)، “الأسرة والحياة العائلية”، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت.
  2. العزبي، محمد إبراهيم (2010)، “المجتمع الريفي تحت المجهر”، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية.
  3. جامع، محمد نبيل (2010)،  “علم الاجتماع الريفي والتنمية الريفية”، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية.
  4. جوهر، عادل محمد موسى (1990)”مقياس التفكك الأسري”، المؤتمر العلمي الثاني لكلية الخدمة الاجتماعية، جامعة الفيوم،   ص ص 389- 422.
  5. حربي، مريم علي سالم (2003)،  “تحديد التغيرات البنائية والوظيفية في الأسرة الريفية”، رسالة دكتوراه، كلية الزراعة، جامعة الإسكندرية.
  6. رمضان، السيد (1999)،  “إسهامات الخدمة الاجتماعية في مجال الأسرة والسكان”، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.
  7. ريحان، الحسيني رجب (2009)، “الوعي الإداري وعلاقته بالاستقرار الأسري لدى عينة من طلاب كلية التربية النوعية- جامعة المنصورة”، مجلة العلوم الزراعية بجامعة المنصورة، مجلد 34، عدد 11، ص ص 10347- 10363.
  8. شكري، علياء (1989)، “الاتجاهات المعاصرة في دراسة الأسرة”، دار المعارف، القاهرة.
  9. متولي، أحمد رمضان رمضان (2003)،  “التماسك الأسري وأثره على أفراد الأسرة في تنمية المجتمعات الصحراوية- دراسة إمبيريقية لأحد المجتمعات بمنطقة وادي النطرون”، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة عين شمس.
  10. وافي، علي عبد الواحد (1988)،  “الأسرة والمجتمع”، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة.
  11. Palemer. S.E. (1971), “Reasons for marriage breakdown: A case study in southwestern Ontario”, Journal of comparative family studies, department of sociology, university of Calgary, Alberta, Canada, Vol. 2, pp. 251- 262.
تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى