تقارير

التغيرات المناخية وتأثيرها على المنظومة الزراعية

كتب: د.صبحي فهمي تؤدي التغيرات المناخية دورا هاما فى منظومة الزراعة العالمية، وللأسف فإن معظم سيناريوهات التغير المناخى توصلت فى نهاية الأمر الى دور سلبى على المنظومة الزراعية وقلة الانتاجية لمعظم المحاصيل الزراعية اذا ما زادت درجات الحرارة من 2 الى 4 درجة مئوية، وعلية فإن الإنبعاثات ايضا سيحدث لها زيادة كبيرة تضر المنظومة البيئية وبالتالى فإن الإبتكار والحلول غير التقليدية فى مجال الزراعة أصبح من الأهمية بمكان للمحافظة على المنظومة الزراعية بكل جوانبها وللوصول الى الأمن الغذائى وسلامة الغذاء فى ذات الوقت.

إن أحوال المناخ السائدة تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على العديد من خصائص الاراضى على النحو التالى:

1- ارتفاع درجات حرارة الهواء يعمل على رفع درجة حرارة التربة التي تؤثر بدورها على إنبات بذور المحاصيل المختلفة التي تصبح أكثر سرعة مع ارتفاع درجة الحرارة حتى تصل إلى الحد الأمثل لعملية الإنبات.

كما تؤثر درجة الحرارة في نشاط وفعالية الإحياء الدقيقة للتربة وتعمل درجة الحرارة المرتفعة أيضاً على تعجيل العمليات الكيميائية داخل التربة، وفى المقابل نجد ان معدلات درجات الحرارة تؤثر بطريقة غير مباشرة، فارتفاع هذه المعدلات قد يؤدي إلي ارتفاع معامل التبخر والمعاناة من نقص مياه الري وهذا قد يؤدي إلى نقصان الإنتاجية لبعض المحاصيل ويتوقف هذا علي نوعية المحصول.

2- تساعد الرياح على تعرية التربة وخصوصاً خلال أشهر الصيف الحارة الجافة والتي تؤدي إلى تطاير الذرات الناعمة من الطبقة السطحية وزوال العناصر الضرورية لنمو النباتات إذ تفقد قابليتها الإنتاجية على مر الزمن.

3- تسهم الرياح في زيادة معدلات التبخر فتزداد حاجة النبات للماء ويقل المحتوى الرطوبي للتربة كما تعمل الرياح على تفتيت سطح التربة الخارجي ونقل حبيباتها مكونة ما يعرف بالتعرية الريحية التي تعد من اهم المشاكل في المناطق الجافة وشبه الجافة لما تسببه من اضرار جسيمة تهدد مساحات واسعة من الاراضي الزراعية واراضي المراعي الطبيعية وتحويلها من اراضي منتجة الى اراضي يقل او ينعدم فيها الانتاج تماما.

4- الامطار تؤثر على خصائص التربة من خلال تفتيت مجاميعها وتناثر دقائقها جراء ارتطامها بسطح التربة وتؤدي الامطار الساقطة على الإزالة التدريجية للتربة السطحية مهما كان انحدارها بسيطاً.

5- الامطار تعمل على غسل أملاح التربة من الأفاق العليا لآفاقها السفلى مهما كانت كميتها.

6- الرطوبة النسبية تؤثر على خصائص التربة اذ تنخفض معدلات التبخر عند ارتفاع معدلاتها والعكس هو الصحيح كما تؤثر على لون التربة بسبب قابلية بعض الأملاح على امتصاص الرطوبة من الجو , وتؤدي معدلات التبخر العالية خلال أشهر الصيف إلى جفاف الطبقة السطحية للتربة ومن ثم تعريتها بوساطة الرياح فضلاً عن زيادة نشاط الخاصية الشعرية وصعود المياه الأرضية على سطح التربة والعمل على زيادة تملحها بشكل مستمر.

7- إنتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري من غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان يؤدي إلى عدم خصوبة الأراضي في المستقبل.

8- الجفاف يحدث خلل محتمل بالدورات الطبيعية للعناصر الأساسية المغذية للتربة الزراعية مما يهدد قوت نحو ثلاثة مليارات نسمة، يعتمدون على الأراضي الجافة التي تقل قليلا عن نصف مساحة اليابسة في العالم كما أن تزايد الجفاف المتوقع نهاية القرن الحالي، بفعل التغيرات المناخية، سيخل بالاتزان بين الكربون والنيتروجين والفوسفور، مما يؤدى الى فك ارتباط دورات العناصر الثلاثة، مما يؤثر سلبا على خصوبة التربة، ويهدد معايش أكثر من 38% من سكان الأرض.

9- اظهرت بعض الدراسات انه بزيادة الجفاف يتزايد الاختلال بين نسبة كل من الكربون والنيتروجين إلى الفوسفور مما يؤدى الى تداعيات خطيرة على النظم البيئية والتنوع الأحيائي. ووفقا للدراسة فإنه كلما انخفضت تركيزات النيتروجين والكربون كلما صارت التربة أكثر جفافا، وقل الغطاء النباتي وفي ظل هذه الظروف من عدم توافر الرطوبة والمياه، وانحسار الغطاء النباتي، تنشط العمليات الجيوكيماوية مثل (تجوية الصخور) التي تزيد من إنتاج الفوسفور، في حين تتراجع العمليات الحيوية مثل (تحلل النفايات والبناء الضوئي) التي تزود التربة بالنيتروجين والكربون.

بالاضافه الى ان ضعف محتوى التربة من النيتروجين يحد من قدرة النباتات على تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مركبات عضوية مثل (السكريات) عن طريق التمثيل الضوئي، ما يؤدي إلي تغير أكبر للمناخ ورغم ارتفاع مستويات الفوسفور، لن تستفيد النباتات منه (إذ يرتبط الإنزيم المسؤول عن امتصاصه من خلال الجذور بتوافر النيتروجين).

ورغم أن هذه الدراسة اجريت فى مواقع في تونس والمغرب، إلا أنها جرس إنذار للمشرق العربي الذي ستكون خسائره الزراعية أشد، فالمتوقع أن يكون أكثر تضررا من الجفاف، كما قد يؤدى التغير المناخى الى تفاقم عمايات تدهور الاراضى وذلك من خلال:

1- زيادة شدة سقوط الامطار والفيضانات.
2- زيادة حالات الجفاف.
3- زيادة الاجهاد الحرارى.
4- زيادة شدة الرياح.
5- زيادة منسوب سطح البحر وحركة الامواج.
6- زيادة شدة تاكل الاراضى الساحلية.

تساهم الزراعة في التغير المناخي سواء من خلال انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن النشاط البشري(حيث ثبت مسئوليتها عن حوالى 13% من انبعاثات ثانى اكسيدالكربون و44% من انبعاثات غاز الميثان(وتمثل الحيوانات المجتره والتوسع فى زراعة الارز عاملين هامين ساهما فى زيادة نسبة تركيز غاز الميثان فى الغلاف الجوى) بالاضافة الى 81% من انبعاثات اكسيد النتروز (والتى ترجع اساسا نتيجة استخدام الاسمده النتروجينيه وتخمر المواد العضويه )بالاضافه الى تحويل الأراضي الغير زراعية مثل الغابات إلى أراضي زراعية.

قد ساهم التغير في استخدام الغابات كأراضي زراعية بنسبة 20 – 25% من الانبعاثات السنوية العالمية في عام 2010. تحدث حالات الجفاف بشكل أكثر تكررا بسبب الاحتباس الحراري ومن المتوقع أن تصبح أكثر تواترا وشدةً في أفريقيا، وجنوب أوروبا، والشرق الأوسط، ومعظم الأمريكتين، وأستراليا، وجنوب شرق آسيا. وتتفاقم آثارها بسبب زيادة الطلب على المياه، والنمو السكاني، والتمدد العمراني، كما يؤدي الجفاف إلى فشل المحاصيل وفقدان المراعي المخصصة للماشية.

المقترحات والتوصيات لمواجهة الآثار السلبية في مجال الزراعة الناجمة عن التغيرات المناخية

1- عن طريق التكيف (الأقلمة) لتخفيف الأثر السلبي وزيادة وتحسين الأثر الايجابي للظاهرة وأهم استراتيجيات التكيف المقترحة في هذا الشأن:

أ- استنباط أصناف جديدة تتحمل الحرارة العالية والملوحة والجفاف وهي الظروف السائدة في ظل التغيرات المناخية.
ب‌- استنباط اصناف جديدة موسم نموها قصير لتقليل الاحتياجات المائية اللازمة لها.
ج- تغيير مواعيد الزراعة ومواعيد العمليات الزراعية بما يلائم الظروف الجوية الجديدة, وكذلك زراعة الاصناف المناسبة في المناطق المناخية الملائمة لها لزيادة العائد المحصولي من وحدة المياه لكل محصول.
د- تقليل مساحة المحاصيل المسرفة في الاستهلاك المائي او على الأقل عدم زيادة مساحة زراعتها مثل الأرز وقصب السكر والموز.
ه- زراعة محاصيل بديلة تعطي نفس الغرض ويكون استهلاكها المائي وموسم نموها أقل مثل بنجر السكر او الاستيفا بديل عن قصب السكر.
و- إنشاء برنامج وطني لبحوث التغيرات المناخية والحد من آثارها على الزراعة وليكون من أهدافه:
أ- زيادة قدرة القطاع الزراعي على التكيف لمواجهة التغيرات المناخية مع التركيز على المناطق الزراعية الأكثر هشاشة.
ب- تقدير التأثير الكمي للتغيرات المناخية المتوقعة على انتاجية المحاصيل والثروة الحيوانية.
ج- العمل على الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وذلك عن طريق الممارسات الزراعية والإدارة المزرعية السليمة.
د- توعية المزارعين وتدريبهم على كيفية تكيف زراعة المحاصيل الزراعية المختلفة تحت ظروف المناخ الحالية والمتوقعة عن طريق الإدارة المزرعية السليمة من حيث مواعيد الزراعة المناسبة والاصناف والعمليات الزراعية من صرف وري وتسميد ومكافحة.

2- تحديد معدلات التسميد المثلى وخاصة الاسمدة النتروجينية ومواعيد اضافتها.

3- اجراء عملية تقسيه للبذور بمحاليل مختلفة قبل الزراعة مثل (كلوريد الصوديوم – سيكر البى اى جى – حمض الابسيسك- البرولين –الخ)، وذلك لحفيز برنامج الدفاع الوراثى لدى الصنف او النوع المنزرع لتحمل الظروف البيئيه القاسيه مثل ( جفاف – ملوحة – حراره مرتفعة).

4- تطبيق نظم الزراعة الحافظة (اى زراعة المحاصيل بدون حراثة التربة عن طريق فتح شق ضيق فى التربة لوضع البذور والأسمدة بعملية واحدة).

5- اعتماد نظام زراعى يعتمد على استخدام المواد الطبيعية والحيوية فى الزراعة بدلا من الأسمدة الكميائية والمبيدات.

6- العمل على اكثار الاصناف المستنبطة حديثا والمتحملة للجفاف والملوحة والصقيع وكذا المقاومة للاجهادات الاحيائيه( الامراض والحشرات) والعالية الانتاجية.

7- رغم صعوبة مواجهة الاستنزاف المستمر للكربون والنيتروجين الناجم عن تزايد الجفاف، والمرتبط بانخفاض في الغطاء النباتي الا انه عن طريق العمل على تحسين خواص التربة وحماية الأماكن الأكثر جفافا والقاحلة قد يساعد على إبطاء الآثار السلبية.

8- العمل على تحسين خواص التربة باستخدام المحسنات المختلفة مما يمكنها من:
– سرعة نفاذيتها للماء حتى لا تتعرض للانجراف.
– زيادة احتفاظها بالماء مما يزيد من فترات الرى.
– يزيد من مقاومة الجفاف.

9- العمل على زيادة الغطاء النباتى وذلك بزراعة الاحزمة الخضراء (الغابات) واعادة تاهيل الغابات المتدهورة لكسر حدة الرياح والعمل على خفض درجات الحرارة والمحافظه على رطوبة التربة وعلى الطبقة السطحية من الانجراف.

10- التوصية بالتوسع فى الزراعة الذكية كربونيا (لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري) وذلك عن طريق اتباع التوصيات التالية، حيث يوصي بعض العلماء باتباع الاتى:

1- الممارسات التي تزيد من كمية المواد العضوية الحاوية على الكربون في طبقات التربة العليا، بما في ذلك تجنب عملية الحراثة التي تعرض كربون التربة للهواء.
2- تغطية الحقول بمخلفات المحاصيل.
3- زراعة محاصيل التغطية.( وتُزرع محاصيل التغطية، كالحبوب والبقوليات وغيرها من الخضراوات، ليس بغرض الحصاد فحسب، وإنما لإثراء التربة بالمغذيات والمواد العضوية الغنية بالكربون، والحد من تآكلها).
4- تجنب حراثة الأرض، إذ تشير إحصاءاتها إلى أن أكثر من ثلث الأراضي الزراعية الأميركية تُزرع حالياً من دون حراثة، وأن ثلثاً آخر تجري إدارته باتباع حراثة محدودة.

يشهد العالم انتشار ممارسات زراعة «ذكية كربونياً»، تقوم على زراعة الغطاء النباتي بهدف محاربة التغير المناخي، إذ تقوم شركات بشراء أرصدة الكربون المخزن في التربة الزراعية، فيحقق المزارعون عوائد مالية إضافية، ويحسنون من نوعية تربة حقولهم، ويوفرون في استهلاك المياه، وتدعم شركات مثل «مايكروسوفت» و«جنرال ميلز» ومؤسسة «ليوناردو دي كابريو» مبادرات التربة المناخية بملايين الدولارات، عبر إنشاء سوق لبيع أرصدة الكربون المخزن في التربة. وفي الولايات المتحدة، تعمل مدن مثل كولورادو وسان فرانسيسكو على إدراج تخزين الكربون في التربة ضمن خطط العمل الخاصة بالمناخ، كما توجد قوانين على المستوى الوطني لتشجيع المزارعين على تبني ممارسات صديقة للمناخ.

تدفع أستراليا وولاية كاليفورنيا الأميركية ومقاطعتا ألبرتا وساسكاتشوان الكنديتان مساعدات للمزارعين في مقابل حبس الكربون في التربة. كما أطلقت الحكومة الفرنسية سنة 2015 مبادرة تهدف إلى زيادة مخزون الكربون في التربة بمعدل 0.4% سنوياً، وفي جميع أنحاء أفريقيا، تستأجر الحكومات مساحات واسعة من الأراضي التي يستخدمها صغار المزارعين التقليديين لصالح الشركات الأجنبية من أجل زراعة الأشجار بصفتها مصارف للكربون، بهدف الحصول عل.ى أرصدة الكربون، حيث يخشى بعضهم من أن تتسارع هذه العملية، فتصبح التربة ذاتها بمثابة سلعة كربونية تحتكرها الشركات العابرة للقارات.

11- الاهتمام بزراعة اشجار المانجروف والاعشاب البحرية وذلك فى المناطق الساحلية والتى يطلق عليها (الكربون الازرق)، حيث انها تحتفظ بالكربون بقدرة اسرع بنحو 35 – 57 مره من الغابات المدارية كما انها مسئولة عن تخزين اكبر من 50% من الكربون فى الرواسب البحرية كما تحتوى على حوالى 30% من الكربون العضوى فى التربة واطلاقها لغاز ثانى اكسيد الكربون والميثان بنسبة اقل قليلا.

12- الحد من قطع الاشجار وازالة الغابات.

وأخيرا، يجب أن تتكاتف الجهود العلمية والبحثية لمجابهة سيناريوهات التغيرات المناخية المستقبلة المتوقع حدوثها في الدول العربية، المتمثلة في انخفاض معدل سقوط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتقلص الغطاء النباتي وتدهور في القيمة الغذائية للتربة.. وهي قادمة لا محالة.

*مُعد التقرير: أستاذ بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة بمركز البحوث الزراعية.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى