رأى

الاستدامة في القرآن الكريم: دلالات وتوجيهات نحو حياة متوازنة ومستدامة

بقلم: د.شكرية المراكشي

موضوع الاستدامة في القرآن الكريم يمثّل نقطة تلاقٍ بين الدين والعلم الحديث، حيث يرسم القرآن الكريم خارطة متكاملة تُعبّر عن الاستدامة في كافة جوانب الحياة. يقدم القرآن الكريم توجيهات وقيما تشكّل أسسًا راسخة لبناء مجتمع مستدام على الأصعدة الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

تابعونا على قناة الفلاح اليوم

تابعونا على صفحة الفلاح اليوم على فيس بوك

ابحاثنا ودراساتنا الآن تتجه نحو فهم أعمق لكيفية الحفاظ على كوكبنا وتطوير حياة مستدامة، ولكن القرآن الكريم كان يوفّر هذه النصوص والتوجيهات منذ 1400 سنة. يعتبر القرآن الكريم دليلاً للإنسان على كيفية العيش بموجب القيم الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تحقق التوازن والاستدامة في حياته.

في هذا المقال، سنكتشف تعاليم القرآن الكريم حول الاستدامة في خلق الكون، تكامل الإنسان والتسلسل الجيني، الحفاظ على التنوع البيولوجي، الاهتمام بالطبيعة والبيئة، إدارة الموارد الزراعية والاستهلاك الحكيم. كل ذلك يجسد الرسالة الشاملة التي يقدمها القرآن الكريم لصيانة الحياة والتوازن في مختلف جوانبها.

من خلال التحليل العميق للنصوص القرآنية، نجد أن القرآن ليس مجرد دليل للتدين فحسب، بل هو كتاب يقدم الإرشادات والتوجيهات للحياة المستدامة والتفكير الاستدامي. هذه القيم الدينية العميقة تساعد في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وتوازنًا وتفاعلًا مع العالم من حولها.

في ظل ضوضاء الحياة اليومية، يستحيل أحيانا فهم الروابط العميقة بين الدين والحياة المستدامة. إلا أن القرآن الكريم، كتاب الهداية والحكمة، يتيح لنا نظرة استثنائية إلى مفهوم الاستدامة عبر أبعاد حياتنا. فهو ليس مجرد كتاب ديني، بل هودليل علمي وإرشاد حضاري.

لقد تناولنا موضوع “الاستدامة في القرآن الكريم” بتحليل علمي دقيق، حيث استكشفنا كيف يقدم القرآن منهجا شاملاً للحفاظ على التوازن والاستدامة في كل جوانب حياتنا. بدءا من خلق الكون وصولا إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي، قطعنا مسافات في هذا الكتاب العظيم لفهم كيف يشجعنا الدين على أن نكون خلفاءً عادلين على هذه الأرض.

استعرضنا أبعاد الاستدامة في خلق الإنسان، فكشفنا عن توجيهات القرآن للحفاظ على التنوع البيولوجي، وغصنا في تفاصيل رعاية الطبيعة والزراعة. محققين توازنًا فريدًا بين القيم الإسلامية والمفاهيم الحديثة للاستدامة.

سعينا إلى فهم كيف يشمل القرآن مفهوم الاستدامة في الاستهلاك والملبس، حيث استخدمنا مقاربة علمية لتحليل نصوص دينية تحمل الإرشادات لاختيار الطعام والملابس بحكمة.

في هذا السياق، لم نكن نقوم بمجرد استعراض آيات قرآنية، بل قدمنا تحليلا عميقا ومناقشة استندت إلى المفاهيم الدينية والعلمية. ومع تأمل هذه الآيات، نجد أنها تمثل ركيزة قوية لفهم كيف يمكن أن يكون الدين المساهم الأساسي في بناء مجتمع مستدام.

إن هذا الاستكشاف العلمي لموضوع الاستدامة في القرآن يبرز كيف يمكن أن يكون هذا الكتاب هو دليلنا الحيوي نحو حياة مستدامة ومتوازنة

استدامة الكون والخلق والحفاظ على الموارد من الموضوعات المهمة التي تطرحها الكتب الدينية. وسوف نبدا  بدراسة المفاهيم القرآنية حول الخلق والحفاظ على الكون وتطبيقاتها العملية في الحياة اليومية ونبحث عن تفسيرات ودراسات سابقة حول مواضيع الاستدامة في القرآن للمساعدة في تحليل كل تلك العناصر.

1ـ الاستدامة في خلق الكون

في سياق خلق الكون وفقًا للقرآن، يمكن تعريف الاستدامة على النحو التالي: الاستدامة في خلق الكون تعبر عن النهج الذي يهدف إلى الحفاظ على التوازن والاستمرارية في الكون وكل مكوناته. في القرآن الكريم، الاستدامة تظهر من خلال مفاهيم مثل “الإحسان” و”العدل” و”التوازن”. يمكن تفسيرها أيضا من خلال الآيات التي تُظهر الدعوة للحفاظ على خلق الله والاستمرار في استخدام الموارد الطبيعية بطريقة مسؤولة ومتوازنة.

الاستدامة في خلق الكون تحث على التأمل في الكون بأكمله، وتشجع الإنسان على أن يكون وصيًا ومسؤولًا عن الأرض ومواردها. من خلال فهم معاني الآيات القرآنية حول خلق الكون، يمكن تطبيق مبادئ الاستدامة في حياتنا اليومية للمحافظة على البيئة والكون بشكل عام.

الاستدامة في خلق الكون تعبر عن المفهوم القرآني للحفاظ على التوازن والتناغم في الكون الذي خلقه الله. يُظهر القرآن أن الله خلق السماوات والأرض بأمره، ورسخ هذا الخلق بتنظيم دقيق وجمال فائق. الاستدامة تأخذ معناها في الاستمرارية والتوازن، حيث يدعو القرآن إلى الاعتبار بأن الإنسان هو خليفة على الأرض ومسؤول عن الحفاظ على هذا الخلق الرائع.

قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا… ﴾ [الفرقان: 61].

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ [فاطر: 41].

كذلك الآية الكريمة “وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ” (الذاريات: 47) تُظهر قدرة الله على خلق الكون بتوازن ودقة. كما تحث الآيات على التفكير في أثر الأفعال البشرية على هذا الخلق، وضرورة المحافظة عليه.

فماذا لو اختلّ نظام هذا الكون قيدَ شعرة؟! إنه سينهار بكل ما فيه ومَن فيه. ماذا لو تصادمت أفلاكه؟! ماذا لو تناثر ما في الفضاء من أجرامه؟! ماذا لو حُجِبت عنه عناية الله طرْفةَ عين أو أقل من ذلك أو أكثر؟! إننا سنهلك ويهلك كل مَن معنا، ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… ﴾ [الزمر: 62، 63].

وآيات مثل “ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين” – سورة المائدة، آية – 64

“ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين” – سورة الأعراف، آية  – 85

 تشير إلى فكرة دور الإنسان في دعم البيئة والحفاظ على استدامة المجتمعات. من خلال فهم هذا التعريف، يمكن التركيز على كيفية تطبيق مبادئ الاستدامة في الحياة اليومية، سواء في استخدام الموارد بشكل مسؤول أو في العناية بالبيئة المحيطة.

يُظهر القرآن أن الله خلق السماوات والأرض بأمره، ورسخ هذا الخلق بتنظيم دقيق وجمال فائق. ، حيث يدعو القرآن إلى الاعتبار بأن الإنسان هو خليفتة على الأرض ومسؤول عن الحفاظ على هذا الخلق الرائع. كما يشير إلى فكرة دور الإنسان في دعم البيئة والحفاظ على استدامة المجتمعات.

وفقا للرؤية القرآنية، تظهر العناية الإلهية الفائقة بالتنظيم والتوازن في كل جوانب الخلق. في سياق القرآن، تُظهر الآيات العديدة هذا المفهوم، مثل:

آيات التدبير الدقيق في قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (القمر: 49) أن كل شيء في الكون خُلِق بقدر وتدبير دقيق من قِبَل الله.ايات تبين ان الإنسان خليفة الالاه على الارض  على سبيل المثال “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً” (البقرة: 30).

ان الله سبحانه وتعالى خلق الكون بدقه بالغة، وإتقان وبقدر معلوم وأبدع سبحانه وتعالي في خلقه ،وأحسن تشكيله وتنظيمه قال تعالي: وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ سورة النمل: 88 وقال تبارك وتعالي: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ سورة القمر:49،وقال عز وجل : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ  سورة السجدة جزء من آية7 .

تُظهر هذه الآيات أن الإنسان وُلِيَ على الأرض كخليفة، مما يُفرض عليه مسؤولية الحفاظ على هذا الكون.

ـ الإنسان والمسؤولية:  “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” (الملك: 2) هذه الآية تُظهر أن الإنسان يُختبر ليُظهر أفضل ما عنده  من التصرف والحفاظ على الخلق.

هذه الآيات تُظهر أن القرآن يعلم الإنسان أن الكون مُصمم بأمر الله بتوازن وتنظيم، والإنسان مكلَّف بدور الحفاظ على هذا النظام والاستمرارية من خلال تصرفاته وعمله.

الله الخالق يُظهر الجمال والترتيب في كل جزء من الكون، مما يشير إلى أهمية الاعتدال والمحافظة على هذا التناغم في  قوله تعالى في سورة البقرة: “اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” (البقرة: 255) يبرز ان الله الحي القيوم،  لا ينام ولا تأخذه سنة، مما يعكس الاستدامة والحياة الدائمة.

سورة الرعد تذكرنا بتنوع الخلق والبيئة: “اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا” (الرعد: 2). هنا، يُظهر القرآن التوازن الذي يحافظ على استمرارية الخلق.

القرآن يُشجع أيضًا على التأمل في الآيات الكونية وفهم الدروس المستمدة منها. “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ” (آل عمران: 190) يدعونا للاستفادة من علمنا وفهمنا للحفاظ على هذا الخلق بأكمله.

هذه النقاط تبرز كيف يدعو القرآن إلى فهم الكون كنظام متكامل وتحفيز الإنسان للعمل كخليفة مسؤولة عن استدامة هذا الإبداع الإلهي.

2ـ الاستدامة في خلق الإنسان

خلق الإنسان والتسلسل الجيني في القرآن، حيث يشير مفهوم الاستدامة في خلق الإنسان إلى الحفاظ على التوازن والتناغم في هيكل ووظائف الإنسان، وكذلك الحفاظ على التوازن البيئي والصحي. يمكن تعريف هذا النوع من الاستدامة علميا كمفهوم يهدف إلى تحقيق توازن دائم ومستدام في جوانب الإنسان الفيزيولوجية، النفسية، والبيئية.

ـ التعريف العلمي: استدامة خلق الإنسان في القرآن تشير إلى توفير الشروط والموارد التي تسمح بالحياة المستدامة والتطور الصحيح للإنسان. يشمل ذلك التوازن في التكوين الجسدي والعقلي والروحي، مع الاهتمام بالعلاقة بين الإنسان وبيئته. كما في قوله تعالى “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (التين: 4).

تشير هذه الآية إلى التوازن والكمال في خلق الإنسان، وهو جزء من الاستدامة الفيزيولوجية. فالاستدامة في خلق الإنسان وفقاً للقرآن تعني الاهتمام بتوازن واستمرارية عملية الخلق الإلهي للإنسان والحفاظ على هذه الخليقة وتطورها. القرآن يُعرِّف هذا النوع من الاستدامة من خلال توضيح عمق وتسلسل عملية الخلق للإنسان والحاجة إلى الحفاظ على هذه النعمة الإلهية. ويتناول القرآن الكريم عدة آيات تتحدث عن خلق الإنسان والعناية الإلهية به. على سبيل المثال، في سورة الطور: “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ” (الطور: 12)، وهذه الآية تشير إلى كيفية خلق الإنسان من مادة مختلفة ومتنوعة.

ـ حفظ التنوع البيولوجي: القرآن يشجع على الحفاظ على التنوع البيولوجي وتقدير الحياة بأشكالها المختلفة. ، “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم” (الأنعام: 38)، تعكس هذه الآية فكرة التنوع في الخلق وأهمية كل مخلوق في النظام البيئي.  يحث القرآن على الحفاظ على هذا التنوع البيولوجي واحترام حقوق الحيوانات والنباتات.

“كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين سورة البقرة “:جزء من آية 60، “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ” (الروم: 30).

تحث هذه الآيات على الاعتدال والحفاظ على الخلق كما خلقه الله دون تشويه أو تدمير. باستمرار التأمل في هذه الآيات والمواضع القرآنية، يمكن فهم كيفية دعوة القرآن إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي واحترام لكل مخلوقٍ خلقه الله في الكون. مفهوم الاستدامة في خلق الإنسان يعزز الفهم الشامل للحياة الصحية والتنمية المستدامة، مستنداً إلى التوجيهات والقيم القرآنية.

ـ خلق الإنسان والتسلسل الجيني: القرآن يناقش خلق الإنسان بشكل شامل، يعتبر الإنسان خليفة لله على الأرض ويشير إلى تكريم الله له بالخلق. يتحدث القرآن عن تفاصيل النشأة والتطور الجنيني بشكل عام دون التركيز على الجوانب العلمية الدقيقة كالجينات ولكنه يوضح أن الإنسان خُلِقَ من الطين وتطور بمراحل مختلفة.

قال تعالى: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ” (المؤمنون، آية: 12 ـ 14)، تشير الآيات الكريمة إلى أطوار التكوين التي يمر فيها الإنسان حتى يصبح بشراً سوياً، وفي الآية “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي” (ص: 72) تشير إلى العملية الإلهية لخلق الإنسان ونفخ الروح فيه. يفتح هذا المفهوم الباب لمناقشة كيف يُعزز القرآن فهمًا دينيًا للتطور البشري، مع التركيز على الجوانب الروحية والإلهية في عملية الخلق. يتيح التفكير في الآية الفهم الديني لتطور الإنسان واستمراريته من جيل إلى جيل.

في القرآن الكريم، يُذكر خلق الإنسان من مواد مختلفة وكيفية تكوينه الدقيق. يشير القرآن إلى أن الإنسان خُلق من طين، ثم من نطفة، ومن ثم تطوره ونموه في رحم الأم. مثلاً، في الآية “خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ” (الرحمن: 14) يُشير إلى مصدر خلق الإنسان.

يعزز القرآن الفهم لمفهوم الاستدامة في خلق الإنسان والتشجيع على الحفاظ على التنوع البيولوجي كجزء من الرعاية الإلهية والمسؤولية البيئية للإنسان.

ـ حفاظ القرآن على التنوع البيولوجي: القرآن يشجع على النظر للخلق والتنوع الحيوي بإعجاب وتقدير. يركز على أهمية الحفاظ على الحياة والموارد الطبيعية ويدعو لاحترام التنوع البيولوجي وعدم الإسراف في الاستغلال كما في الاية “وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم” (الأنعام: 38). هذه الآيات تظهر أن القرآن يحث على النظر للتنوع الحيوي بإعجاب وتقدير، مؤكدًا أن جميع الكائنات لها قيمتها ودورها الفريد في الحياة على الأرض.

فقال تعالى: «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (النور:45).

تحليل هذه النقاط يعكس مفهوم الاستدامة في خلق الإنسان ويؤكد على دعوة القرآن للحفاظ على التنوع البيولوجي كجزء من خطة إلهية ومسؤولية إنسانية.

يتيح تحليل هذه النقاط فهما أعمق لعملية خلق الإنسان والتركيز على الأهمية البيئية والاستدامية. عندما يدرك الإنسان دوره كخليفة على الأرض، يتحمل مسؤولية الحفاظ على التنوع البيولوجي والمحافظة على البيئة كجزء من التوجيهات القرآنية والمسؤولية الإنسانية.

القرآن يعكس تعاليم حول حفاظ التنوع البيولوجي من خلال توجيهات وآيات تعزز قيمة الكائنات الحية والاحترام للتنوع الطبيعي. يمكن تلخيص مفهوم حفاظ القرآن على التنوع البيولوجي بالنقاط التالية:

ـ تقدير الخلق الإلهي: يظهر القرآن تقديره للخلق الإلهي، بما في ذلك النباتات والحيوانات والكائنات الحية الأخرى، ويعتبر ذلك علامات على الله وعظمته.

ـ إشارات إلى التنوع: القرآن يُظهر التنوع البيولوجي بذكر مخلوقات متعددة ومتنوعة في الأرض، مما يوجه إلى أهمية الحفاظ على هذا التنوع لاستمرارية الحياة.

الحفاظ على التنوع البيولوجي مكون أساسي لاستدامة الحياة على الأرض. فهو يحافظ على توازن النظم البيئية، ويساهم في تنظيم مناخ الأرض، ويوفر الموارد الحيوية الأساسية للإنسان والكائنات الحية الأخرى.

تفسير الآيات القرآنية المذكورة يوضح أن القرآن يحث على الاحترام والتقدير للتنوع البيولوجي ويعزز أهميته في الحفاظ على توازن الحياة على الأرض. من خلال احترام هذا التنوع، يمكن للإنسان الحفاظ على نظم الطبيعة واستمراريتها، وبالتالي استدامة الحياة على الكوكب.

تلك الآيات تلمح إلى أهمية دور الإنسان في دعم وتطوير المجتمعات والمحافظة على استدامتها. من خلال فهم القيم القرآنية وتطبيقها في الحياة اليومية، يمكننا استخدام القدوات القرآنية لتعزيز المبادئ البيئية والاستدامة في أفعالنا اليومية.

ـ استخدام الموارد بشكل مسؤول: القرآن يحث على عدم الإسراف والتبذير، فمن الممكن تطبيق ذلك في استهلاك الموارد الطبيعية مثل الماء والطعام والطاقة، حيث يتعين علينا استخدامها بحكمة واعتدال للمحافظة على استدامتها. وأما الآيات التي أمر الله تعالى فيها بحفظ المال ونهى فيها عن التبذير والإسراف، فمنها قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)[الإسراء:29].
وقوله عز وجل: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً) [الإسراء26-27].وكذلك قوله جل وعلا: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان:67].

ـ العناية بالبيئة المحيطة: القرآن يشير إلى أن الإنسان خليفة على الأرض، فهو مسؤول عن العناية بالبيئة والحيوانات والنباتات. بالتالي، يجب علينا العمل على الحفاظ على البيئة ومواردها وعدم الإضرار بها. يقول تعالي:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (سورة الملك :15 ) أي أن الله سبحانه وتعالي سخر لكم الأرض، وذللها؛ لتدركوا منها كل ما تعلقت به حاجتكم من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلي الأقطار النائية والبلدان الشاسعة.

كما أمرنا سبحانه وتعالي أن نتعامل مع البيئة من منطلق أنها ملكية عامة يجب المحافظة عليها من ثروات وموارد ومكونات ويدعونا إلي إدارتها إدارة رشيدة قال تعالي:{ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ} (سورة الأعراف :56). وقال تعالي: { وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} (سورة البقرة :جزء من آية 211).

ـ التعاون والعطاء: القرآن يشجع على العمل الخيري والتكافل الاجتماعي. يُمكن توظيف هذا المبدأ في دعم المبادرات البيئية والمشاريع التي تهدف إلى حماية الطبيعة والبيئة. ” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” “وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” المائدة: 2،  “قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ” الكهف: 95 ،”وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ  قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ “القصص: 34، 35 ،باستخدام الإرشادات والتوجيهات القرآنية، يُمكننا أن نتبنى نهجاً شاملاً للعناية بالبيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية لضمان استدامة مجتمعاتنا وتراثنا البيئي.

ـ التعاون والتضامن: “مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عليم”، “البقرة: 261″.” إن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ”، “البقرة: 271”.

 القرآن يحث على التعاون وتقديم الصدقات لدعم الفقراء والمحتاجين. من خلال هذا الدعم، يتم بناء مجتمع قائم على التضامن والرعاية المتبادلة، مما يعزز استدامة العيش الجماعي.

ـ حفظ الموارد: يشجع القرآن على الاعتدال وعدم التبذير في استخدام الموارد. إدراك القيمة الحقيقية للموارد والاستخدام المسؤول يعززان الاستدامة والحفاظ على البيئة.”وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ” الإسراء:29.

ـ.المسؤولية الاجتماعية: كما في قوله تعالى “فمن تطوع خيرا فهو خير له”، “وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى و المساكين وابن السبيل”، وكذلك قوله “وفي أموالهم حق للسائل والمحروم” وقوله “من يعمل مثقال ذرة خيرا يره”. القرآن يعلم أن للإنسان مسؤولية اجتماعية في الحفاظ على الرفاهية العامة والبيئة المحيطة. هذا يعني تقديم الدعم للفئات الضعيفة والمساهمة في بناء مجتمع مستدام.

ـ العدالة والتوازن: تعزز قيم العدالة والتوازن من مفهوم الاستدامة. القرآن يدعو إلى التعامل بالعدل في توزيع الموارد وتحقيق التوازن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. يأمر الله تعالى بتحقيق العدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. من هذه الانطلاقة القرآنية يتجسد العدل بمفهومه الواسع وينطلق المسلم المؤمن بهذا النداء الآمر ليحققه في ربوع الحياة ويقيمه بين الناس على نفسه،  “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرً” [النساء: 58].  من خلال تفسير هذه الآيات ومفاهيم الاستدامة، يظهر أن القرآن يقود الإنسان نحو أسلوب حياة متوازن ومستدام، مع التركيز على التعاون، وحفظ الموارد، والمسؤولية الاجتماعية، وتحقيق العدالة والتوازن في المجتمع.

3ـ الاستدامة في الطبيعة والبيئة

الاستدامة في الطبيعة تعني الحفاظ على توازن البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية بحيث يمكن استخدامها بطريقة لا تؤثر سلبًا على الأجيال الحالية والمستقبلية. في القرآن، تُعتبر البيئة والطبيعة من آيات الله التي يُحث فيها على احترام وصيانة هذا الخلق الإلهي. القرآن يُعطي أهمية كبيرة للطبيعة والكون بأسره، ويحث الإنسان على التأمل فيها ودوره في الحفاظ عليها. مثلاً، في قوله تعالى “وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ” (الملك: 15)، يُشير القرآن إلى النعم التي وهبها الله في الطبيعة مع التحذير من استغلالها بشكل مفرط.

ـ استعراض القيم البيئية الموجودة في القرآن: القرآن يحتوي على العديد من القيم البيئية، مثل الاعتدال في الاستهلاك والتفكير في تأثير أفعال الإنسان على البيئة المحيطة. على سبيل المثال، في قوله تعالى “وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31)، يحث القرآن على عدم الإسراف والتبذير، الأمر الذي يتضمن استدامة الموارد. فهم في هذه النقاط يسلط الضوء على الدور البيئي للإنسان كخليفة ومسؤول عن الأرض. القيم البيئية المعروضة في القرآن تشمل الحفاظ على الطبيعة وعدم التبذير والاعتدال في الاستهلاك، مما يعزز الوعي البيئي ويحث على المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

ـ فحص الآيات التي تتحدث عن الطبيعة ودور الإنسان في الحفاظ عليها: القرآن يتحدث عن الطبيعة ويعرض دور الإنسان كخليفة على الأرض. في قوله تعالى “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (الروم: 41)،

 يتناول القرآن تأثير أفعال الإنسان على الطبيعة والحاجة إلى الحفاظ عليها.

تحليل هذه النقاط يعكس النهج القرآني للبيئة والاستدامة. يظهر القرآن أن الإنسان له دور فعّال في الحفاظ على البيئة، ويحث على المسؤولية والترويج للقيم البيئية. الأمثلة القرآنية تبرز الأسس البيئية التي يُشجع على اتباعها للحفاظ على الطبيعة وتحقيق الاستدامة.

ـ دور الإنسان في الحفاظ على الطبيعة: القرآن يوجه الإنسان لكونه خليفة على الأرض، ومسؤولاً عن الحفاظ على هذا الخلق الرائع. في قوله “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]2.

ويقول أيضًا:” وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَط الأعراف: 85.

ـ القيم البيئية الموجودة في القرآن: القرآن يحث على الاعتدال في استخدام الموارد، ويُحذِّر من الإسراف والتدمير. آية “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31) تظهر الدعوة لاستخدام الموارد بحكمة وعدم الإسراف.

ـ الاحترام للخلق الله: القرآن يحث على احترام ومعاملة خلق الله بلطف ورعاية. “وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ” (الإنسان: 30) تُظهر أهمية القبول والتقدير لتنوع البيئة وقبول ما يُقدَّمه الله.ىمن خلال هذه الآية، يظهر أن القرآن يحث على الحفاظ على الطبيعة والبيئة بمفهوم الاستدامة، ويُظهر القيم البيئية التي تحث على استخدام الموارد بحكمة واحترام تنوع الخلق الإلهي.  وبهذا يتمثل الحفاظ على الطبيعة في تحقيق توازن بين احتياجات الإنسان واحترام استدامة النظم البيئية.كما  يُظهر القرآن أن الإنسان له دور مسؤول في الحفاظ على هذا التوازن.

4ـ الاستدامة في الزرع والغذاء

الاستدامة في الزرع والغذاء تعبر عن تبني ممارسات زراعية مستدامة تحقق توازناً بين احتياجات الإنسان للغذاء والحفاظ على صحة البيئة والموارد الزراعية. تتضمن هذه المفاهيم الرعاية الفعّالة للنباتات واستخدام الموارد بشكل مستدام. وتحقيق التوازن بين الإنتاج والحفاظ على الموارد الطبيعية.

يذكر القرآن الكريم مفاهيم تتعلق بالزراعة والرعاية النباتية، مما يشير إلى أهمية الزراعة وكيفية الحفاظ على المحاصيل والموارد الطبيعية. مثال على ذلك هو ما ورد في سورة الرعد: “وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (الرعد: 4).

ـ البحث في النصوص القرآنية حول الزراعة والرعاية الصحية للنباتات: القرآن يتحدث عن الزراعة وأهمية النباتات كهدية من الله.  قال تعالى: “وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى” (طه، آية: 53). ففي قوله: “أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى”، أي: ما بين ثمار، وزروع مختلفة الألوان، والأشكال والطعوم، والروائح، والمنافع. وفي قوله تعالى: “وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ”،

ـ كيف يمكن تطبيق مفاهيم الاستدامة في إدارة الموارد الزراعية: القرآن يشجع على الحفاظ على الموارد والاستفادة منها بشكل مستدام . يسلط الضوء على النهج القرآني للزراعة وإدارة الموارد الزراعية. في قوله “وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا  إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ” (الإسراء: 26)، يحث القرآن على عدم إسراف الموارد وإدارة الموارد الزراعية بحكمة واعتدال. هذه النقاط تعزز الربط بين الزراعة والمفهوم القرآني للاستدامة. القيم القرآنية تحث على احترام النعم الطبيعية والاستفادة منها بشكل مستدام. من خلال تطبيق هذه القيم في إدارة الموارد الزراعية، يُمكن تحقيق استدامة في الإنتاج الزراعي وتحقيق توازن بين الحاجات الحالية واحتياجات الأجيال القادمة.

يبين القرآن أن الزراعة والاهتمام بالنباتات هي جزء من الحياة اليومية، ويحث على استخدام الموارد بشكل حكيم ومستدام. الأمثلة القرآنية تعكس كيف يمكن توجيه المبادئ الزراعية نحو تحقيق الاستدامة والحفاظ على الغذاء والموارد  ، يوجه القرآن نحو استخدام الموارد بحكمة وحفظها للأجيال القادمة، مما يمكّننا من تحقيق الاستدامة في الزراعة والغذاء.

ـ البحث في النصوص حول الزراعة والرعاية الصحية للنباتات:  يتحدث القرآن عن الزراعة وضرورة رعاية النباتات، مما يظهر الاهتمام بالممارسات الزراعية. مثلاً، “يُرْسِلُ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا” (نوح: 10-12). يظهر القرآن أن الزراعة والغذاء لهما أبعاد دينية وأخلاقية، ويحث على اعتماد ممارسات مستدامة للحفاظ على النعم الرزق والحفاظ على البيئة. يفتح القرآن باب النقاش حول كيف يمكن للزراعة والإنتاج الغذائي أن يكونا مستدامين وفعّالين، مع التركيز على الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

5ـ الاستدامة في الاستهلاك والملبس

الاستدامة في الاستهلاك والملبس تعني اتخاذ قرارات استهلاكية مدروسة ومستدامة تهدف إلى تحقيق التوازن بين احتياجات الإنسان وحقوق الأجيال القادمة والحفاظ على الموارد والبيئة. تتضمن هذه المفاهيم اختيار الطعام بشكل مستدام واعتماد أساليب اللباس الصديقة للبيئة.

ـ الاستدامة في الاستهلاك والملبس: يُشير القرآن إلى الأكل والشرب والملبس كجوانب أساسية من حياة الإنسان. من ضمن الآيات، “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31) يظهر كيفية التوازن بين الزينة والأكل والشرب.

القرآن يشجع على عدم الإسراف في الأكل والشرب وفي اختيار الملبس. من خلال فكرة الاعتدال وعدم الإسراف، يمكن تطبيق مفهوم الاستدامة في الاستهلاك. على سبيل المثال، من خلال عدم الإسراف في شراء الملابس والتحكم في استهلاك الطعام، يمكن الحفاظ على الموارد وتقليل النفايات.

القيم القرآنية تعكس فكرة الاعتدال وعدم الإسراف، وهي مفاهيم متماشية مع مفاهيم الاستدامة الحديثة. القرآن يوجه لاحترام الموارد والاستخدام الحكيم للطعام والملابس. الأمثلة القرآنية توضح كيف يمكن توجيه مفاهيم الاستهلاك نحو المحافظة على الموارد والحفاظ على البيئة والاستدامة البشرية.

ـ المقارنة مع المفاهيم الحديثة للاستدامة: يُظهر التحليل القرآني أن قيم الاعتدال وتجنب الإسراف تتوافق مع مفاهيم الاستدامة الحديثة، حيث يُشجع على اتخاذ قرارات استهلاكية تحقق التوازن بين الاحتياجات الشخصية وحفظ البيئة.  يفتح هذا التحليل الباب لمناقشة كيف يمكن للقيم الدينية الواردة في القرآن أن تكون دافعًا للحياة المستدامة في مجال الاستهلاك والملبس.

في القرآن الكريم، يمكن أن نجد تفاصيل وإشارات إلى العديد من جوانب الاستدامة، ولكن ربما لم نغطي بعض العناصر بشكل محدد ومفصل. من بين هذه العناصر:

ـ الاستدامة الأسرية في القرآن: الاستدامة الأسرية هي الحفاظ على التوازن والعدالة داخل الأسرة، مع التركيز على التفاهم والمحبة وتعزيز العدالة داخل الأسرة، والتعامل بالرحمة والتفاهم يسهم في تعزيز العلاقات الأسرية المستدامة.و احترام حقوق الأفراد داخل الأسرة، وتقديم الدعم والرعاية لجميع أفرادها. القرآن الكريم يحث على الاستدامة الأسرية من خلال تعزيز العدالة والرحمة في الأسرة، مُحَذِّرًا من الظلم والتجاوز. “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا” (النساء: 19).

ـ الاستدامة الاجتماعية: الاستدامة الاجتماعية: بناء مجتمع يعتمد على التعاون والتضامن، مع مكافحة الظلم والفساد. تشجيع الناس على التعاون والتضامن في العمل المشترك لخدمة المجتمع والمحافظة على الخير العام.

القرآن يحث على الاستدامة الاجتماعية من خلال تشجيع التعاون والتآزر بين الأفراد والمجتمع. “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2).

ـ الاستدامة السياسية: الاستدامة السياسية: إقامة نظام حكم يعتمد على العدل وحقوق الإنسان، مع محاربة الفساد والظلم. السعي للعدالة والمساواة بين الأفراد في المجتمع، ومنع الظلم والتمييز. تشجيع الحكم بالعدل والإقامة النزيهة للحكومات، مع منع الفساد وتحقيق المساواة أمام القانون. القرآن يحث على توزيع الثروة بطريقة تعكس العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع.

يُذكر ذلك في سورة الحشر “فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ 17)) وسورة الإنسان (الآية 18)” لا يلقى المؤمنون في منازل التكريم إلا ما تشتهيه الأنفسُ وتلذُّ الأعين، حتى ما يُسقَون فيه من أكوابٍ لها صفاءُ الزجاج وبريقُ الفضَّة”حول توجيهات بتوزيع الثروة بشكل يضمن العدالة والمساواة في المجتمع واحترام حقوق الإنسان والتعامل بالعدل مع جميع الأفراد دون تمييز.

القرآن يحث على العدالة في التعاملات الاقتصادية ويشير إلى الضرورة الأخلاقية لتوزيع الثروة والموارد بشكل عادل ومستدام. يمكن أن يتعلق ذلك بالزكاة والصدقات وكيفية توزيع الثروة بين أفراد المجتمع.

القرآن يدعو إلى الاستدامة السياسية من خلال التشجيع على العدل وحسن الحكم. “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” (النحل: 90).

ـ الاستدامة الاقتصادية: تحقيق نمو اقتصادي توزيع الثروة بشكل عادل ونعزيز التجارة النزيهة. القرآن يحث على الاستدامة الاقتصادية من خلال التجارة النزيهة وتوزيع الثروة بشكل عادل. “وَأَنفِقُوا مِن مَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۚ وَلَا تَخْتَلِفُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ” (البقرة: 267).  تسهم القيم الإسلامية في بناء مجتمع مستدام على الأصعدة الأسرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية تحمل مفاهيم وأسسًا أساسية تسهم في بناء مجتمع مستدام.

يشير القرآن إلى أهمية العدالة والأخلاق الإسلامية في كل جوانب الحياة، بما في ذلك التعاملات الاقتصادية. آيات مثل في سورة البقرة (الآية 188)  َ “ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ “تعزز مفهوم العدالة والتوازن في الأعمال المالية والاقتصادية.

هذه الآيات والمفاهيم تعكس التوجيهات القرآنية لتحقيق العدالة الاقتصادية وتوزيع الثروة بشكل يعزز الاستدامة والمساواة في المجتمع والسعي لتوزيع الثروة بشكل عادل في المجتمع، والعمل على الحد من الفقر والإقلال من الفوارق الاقتصادية. .كما تُعتبر الزكاة والصدقات وسائل لتوزيع الثروة والمال بشكل عادل ومستدام في المجتمع. ذكر القرآن الكريم في سورة التوبة (الآية 60) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم”وسورة البقرة (الآية 267) ” ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ” تشجيع الناس على إعطاء الصدقات والزكاة لتحقيق التوازن الاقتصادي والاجتماعي. و “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”.

ـ التجارة النزيهة: التشجيع على ممارسة التجارة بطرق نزيهة ومبادئ النزاهة والأخلاق في الأعمال  باعتبارها جوانب حيوية في الإسلام، تسهم هذه القيم في بناء مجتمع مستدام من خلال تعزيز العدالة، والرحمة، والتعاون، وحقوق الإنسان، والنزاهة. إدراكاً لأهميتها، يمكن استخدام هذه القيم كأساس لإقامة مجتمع يعتمد على التوازن والاستدامة في كل جوانبه.

ـ التفعيل العملي:  تعزيز التعليم الديني لنشر الوعي بالقيم الإسلامية.”وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ القلم:4 “وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا الفرقان:63-68، “َإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا”الإسراء:164.

ـ تشجيع على المشاركة في الأنشطة الخيرية والتطوع. ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٧

“وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا” [الإنسان: ٨-٩.

ـ دعم الإجراءات التي تحقق العدالة الاقتصادية والاجتماعية. قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

ـ تشجيع على مبادرات الشباب والمشاركة المدنية. “ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبعْهَا ولا تَتَّبعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ”  يمكن لهذه القيم الإسلامية أن تسهم في بناء مجتمع مستدام من خلال تنمية الأخلاق وتوجيه الأفراد والمجتمع نحو العدالة والتعاون والاستدامة في جميع الجوانب الحياتية.

القرآن الكريم يحتوي على تعاليم شاملة ومتعددة تمس مختلف جوانب الحياة، ورغم التركيز الواسع على مفهوم الاستدامة والحفاظ على البيئة والموارد، هناك جوانب أخرى قد تشملها الاستدامة في القرآن، مثل:

ـ الاستدامة النفسية والروحية: القرآن يحث على التوازن الروحي والنفسي، وهذا الجانب يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من الاستدامة الشخصية والاجتماعية.

يمكن أن يتضمن ذلك تعزيز الصحة النفسية والروحية، والتوجيهات للتوازن الداخلي وتطوير الأخلاق والسلوكيات الإيجابية. ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر”. سورة الأحزاب/ 21 . مثلاً، الآية “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ” (الرعد: 28) تسلط الضوء على فوائد ذكر الله وتأثيره الإيجابي في تهدئة القلوب وإيجاد السلام الداخلي.

كما يحث القرآن الكريم على تطوير الأخلاق والسلوكيات الإيجابية كمفتاح للسلام الداخلي والاستدامة الروحية. على سبيل المثال، الآية “وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ” (الرعد: 21) تعزز فكرة الصلة والتآلف بين الناس كأساس للتعايش السلمي والتفاعل الإيجابي.

التوازن النفسي في القرآن الكريم يمثل الحالة التي تشير إلى التناغم والاستقرار الداخلي الذي يساعد على السيطرة على العواطف والتفكير بطريقة صحيحة ومتوازنة. يتعلق هذا بتحقيق التوازن بين الجوانب المختلفة للشخصية مثل العقل والجسم والروح، وكذلك العلاقات مع الآخرين ومع البيئة المحيطة.

من القرآن الكريم، يمكن أن نرى العديد من الآيات التي تشير إلى أهمية تحقيق التوازن النفسي والروحي. مثلاً، في سورة الرعد (الآية 28)، يُذكر: “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”، وهذا يظهر أن الذكر والتفكير في الله يُساهم في السكينة النفسية والروحية. كما في سورة البقرة (الآية 208): “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”. هذه الآية تشجع على السلام الداخلي والتوازن النفسي من خلال اتباع السبل السلمية وعدم الانجرار وراء وساوس الشيطان.هذه الآيات وغيرها تسلط الضوء على أهمية السكينة الداخلية والتوازن النفسي، وكيف أن العقل والروح بحاجة إلى الرعاية والاهتمام كجزء من حياة الإنسان المستدامة.أيضاً في سورة الطور (الآية 28) “الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ”، تُظهر هذه الآية العناية بالراحة النفسية التي يمكن تحقيقها من خلال الإيمان وذكر الله.

هذه الآيات تشير إلى أهمية الاستقرار النفسي والروحي التي يمكن أن يحققها الإنسان من خلال الإيمان والتفكر والتأمل في آيات الله.

ـ الاستدامة الثقافية والتراثية: الاستدامة الثقافية والتراثية هي المحافظة على التنوع الثقافي والتراثي للشعوب والمجتمعات، مما يشمل اللغة والتقاليد والعادات والفنون والعلوم والتكنولوجيا التقليدية، وذلك من أجل الحفاظ على الهوية الثقافية والروح التراثية للأمم. يحتوي القرآن على توجيهات للحفاظ على الثقافات والتراثيات المختلفة، وتعزيز التنوع الثقافي كعنصر أساسي في المجتمعات المستدامة. يمكن الاستدلال على الاستدامة الثقافية والتراثية من خلال العديد من الآيات القرآنية التي تشير إلى أهمية التنوع والاحترام بين الشعوب والثقافات. على سبيل المثال:”وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” (الحجرات: 13).تشجع هذه الآية على التعارف والاحترام بين الشعوب والثقافات المختلفة، وتؤكد أن الفضل عند الله يكون بالتقوى والأخلاق، وليس بالانتماء العرقي أو الثقافي.”وَجَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” (البقرة: 143).تظهر هذه الآية الدور الوسطي والمتوسط الذي يجب أن يلعبه المسلمون في نقل الرسالة والحفاظ على التوازن بين الأمم والثقافات، كما يشير إلى أنهم يُشهدون على العدل والمساواة.

هذه الآيات توجه للحفاظ على التنوع الثقافي والاحترام المتبادل بين الشعوب والثقافات، مؤكدة على أن التعارف والتعاون هما الطريق للحفاظ على الهوية الثقافية والتراثية للأمم والمجتمعات.”ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين)  الروم:22.

هذه الجوانب الأخرى قد تكون مدرجة ضمن تعاليم القرآن الكريم بطرق مباشرة أو غير مباشرة، وقد يتطلب فهمًا عميقًا وبحثًا أوسع لاستخلاص الأسس والتوجيهات المتعلقة بها.

الاستدامة الثقافية والتراثية تتعلق بالحفاظ على التنوع الثقافي والتراثي في المجتمعات، والتأكيد على أهمية الثقافات والتراث في بناء المجتمعات المستدامة.

– الاستدامة التكنولوجية: تحتوي الآيات القرآنية على مفاهيم تشجع على استخدام التكنولوجيا بطرق تعزز الاستدامة وتحافظ على التوازن بين التقدم التكنولوجي وحفظ البيئة.

ـ التعليم والمعرفة: يشجع القرآن على البحث عن المعرفة والتعلم المستمر، وهذا الجانب الاستدامي يمكن أن يركز على الأهمية العظيمة للتعليم والتنمية الشخصية كأدوات لبناء مجتمعات مستدامة. “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (العلق: 1) ، “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طه: 114، وقال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11). وقال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر: 9)، وقال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) (محمد: 19)، هذه الآيات تشير إلى أهمية العلم والتعلم، وتحث على البحث واكتساب المعرفة. فالتعليم يُعتبر في الإسلام من القيم الأساسية التي تدعو إلى النمو الفردي والتنمية الشاملة للمجتمعات. يركز القرآن على أن العلم والمعرفة هما أساس الفهم الصحيح والتقدم في جميع مجالات الحياة.

في القرآن الكريم، نجد دعوات عديدة للاستفادة من المعرفة والتعلم. فالله يحث الناس على التأمل في الخلق والبحث عن الحقائق. مثلاً، في سورة العلق (الآية 1-5)، يُحث الإنسان على القراءة والتعلم. ان التعليم يُعتبر وسيلة للرقي الفردي والجماعي، وهو مفتاح لتحقيق التنمية المستدامة.

يُشجع القرآن على تحقيق التوازن بين الأمور الروحية والعلمية والتكنولوجية. كما يؤدي التركيز على التعليم والمعرفة إلى تعزيز الوعي والتفاهم في المجتمعات. يُساهم في تشكيل آفاق إيجابية وفهم عميق للقضايا البيئية والاقتصادية والاجتماعية. “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (العلق: 1) تشير إلى أهمية القراءة والتعلم. “وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا” (مريم: 76) تبرز أهمية الاهتداء بالهدى.  يحتل تطبيق العلم والمعرفة مكانة هامة في بناء مجتمعات مستدامة وتحقيق التوازن بين التقدم والأخلاق.

الاستدامة التكنولوجية تشير إلى استخدام التكنولوجيا بطرق تعزز الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية، وتحافظ على التوازن بين التقدم التكنولوجي وحفظ البيئة والموارد الطبيعية. تحتوي الآيات على مواعظ تعطي إرشادات حول كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة بطريقة تعزز الاستدامة وتساهم في الخير للبشرية. قول الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١﴾. بالإضافة الى ذلك وردت في سورة فاطر آية في فضل العماء عن سائر المؤمنين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴿٢٨﴾﴾.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿العنكبوت٢  ، (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿الأنفال 60﴾ اشارة  إلى استخدام القوة والتكنولوجيا في الدفاع عن الحقوق والعدالة، مما يُظهر أهمية استخدام التكنولوجيا بطرق تعزز الخير والعدل. القرآن الكريم لا يشير بشكل مباشر إلى التكنولوجيا الحديثة، ولكنه يوجه إلى الاستخدام الحكيم للقوة والموارد في سبيل الخير والعدالة. يُمكن فهم هذه الآيات على أنها تشجع على استخدام التكنولوجيا والقوة للمصلحة العامة ولحماية الخلق والبيئة والموارد بطرق مستدامة.

رغم أن القرآن الكريم يحتوي على مبادئ   وقيم دعمت الحياة المستدامة في مجملها، إلا أن استكشاف هذه الجوانب الخاصة يتطلب تفحصًا عميقًا وشاملًا للنصوص القرآنية والمواضيع المتعلقة بها. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي القرآن على توجيهات تعزز الاستدامة البيئية، مثل الاهتمام بالموارد المائية كما هو واضح في آية “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ” (الأنبياء: 30)، وهذا يمكن أن يفسِّر بأن الماء هو أساس الحياة وعلينا الحفاظ عليه.

أيضا، القرآن يحث على التسامح والتعايش السلمي والعدل الاجتماعي، وهذه القيم من شأنها أن تسهم في بناء مجتمعات مستدامة. “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ” (فصلت: 34) تشير إلى أهمية العدل والتسامح وقبول الاختلافات بين الناس لبناء مجتمعات مستدامة اجتماعيًا واقتصاديًا. هذه النقاط تُلقى الضوء على بعض الآيات التي قد تحمل دلالات تعزز الحياة المستدامة، ويمكن فهمها واستخلاص العبر منها لتحقيق أهداف الاستدامة في مختلف جوانب الحياة.

هذه الجوانب الأخرى تكون مدرجة ضمن تعاليم القرآن الكريم بطرق مباشرة أو غير مباشرة، وقد يتطلب فهما عميقًا وبحثًا أوسع لاستخلاص الأسس والتوجيهات المتعلقة بها. “وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ” (الأعراف: 31).هذه الآية تحث على عدم الإسراف، ويمكن فهمها أيضًا كتحذير من استخدام التكنولوجيا بطرق تؤدي إلى الإسراف والتلوث. “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ” (التوبة: 105). تشجيع على العمل الصالح والاستفادة من التكنولوجيا بطرق تفيد المجتمع بشكل إيجابي. باستخدام هذه الآيات، يظهر أن القرآن يحث على استخدام التكنولوجيا بحذر وبطرق تحقق الاستدامة وتحفظ الخلق والبيئة

ـ العدالة البيئية: تُعرف العدالة البيئية على أنها النهج الذي يسعى إلى الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية بطريقة تكافلية وعادلة بين الأجيال المختلفة، مع منح الاهتمام الخاص لحقوق الأجيال القادمة في الاستفادة من الموارد الطبيعية والبيئة بشكل مستدام وتركز على ضرورة الاحتراف في استخدام الموارد بطريقة تحافظ على توازن النظم البيئية وتوفير فرص متساوية للأجيال الحالية والمستقبلية.

هناك إشارات إلى العدالة البيئية وضرورة المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية بطريقة تكافلية وعادلة بين الأجيال. “الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا”. القرآن يحث على المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية. مثلاً، يُشير إلى أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض، مما يعني مسؤوليته عن الحفاظ على هذه الأرض والبيئة.

يُمكن أن يكون الاهتمام بالعدالة البيئية جزءا من الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية بطريقة تكافلية وعادلة، مع التركيز على توزيع الموارد بين الأجيال الحالية والمستقبلية بطريقة تضمن استدامتها.”وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا” (الأعراف: 56) تعكس الحث على عدم تدمير البيئة بعد ترميمها. “وَلَا تُبَذِّرْ إِذَا بَذَرْتُمْ وَلَا تُصِدُّوا وَلِيدَكُمْ” (الإسراء: 31) تظهر ضرورة عدم إسراف الموارد والحفاظ عليها.

فهم العدالة البيئية يسهم في إنشاء مجتمعات مستدامة على المدى الطويل، من خلال موازنة الحاجات الحالية مع توفير الفرص والموارد للأجيال المقبلة. في القرآن الكريم، يظهر مفهوم العدالة البيئية في توجيهات للحفاظ على البيئة والاستفادة من الموارد بشكل مستدام. مثال على ذلك يأتي من قوله تعالى في سورة الأعراف (الآية 31): “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”. يعني ذلك بأن الاستخدام المفرط للموارد يُعتبر إسرافًا ويتعارض مع مبدأ العدالة البيئية. – “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ” (الأعراف: 31) تعكس الرعاية البيئية كجزء من التزام الإنسان بالإصلاح في الأرض. “وَآتُوا الْقِرَابِينَ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرُوا إِذَا بَذَرْتُمْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُبَذِّرِينَ” (الإسراء: 26) تُظهر أهمية توزيع الموارد بشكل عادل. تبيَّن هذا التحليل أن القرآن الكريم يحتوي على توجيهات تعكس مفهوم العدالة البيئية وضرورة الاستدامة في استخدام الموارد.

القرآن الكريم يتناول العديد من جوانب الاستدامة بشكل عام، وربما تحتاج بعض الجوانب إلى مزيد من التحليل والتفصيل لفهم كيفية تطبيق مبادئ الاستدامة في هذه الجوانب بشكل أوسع.

القرآن الكريم يشمل العديد من النواحي المتعلقة بالحياة والاستدامة، وقد شملنا مجموعة واسعة منها. لكن هناك عناصر أخرى قد تكون موجودة في القرآن ولم نتطرق إليها بالتفصيل. على سبيل المثال، القرآن يمكن أن يحتوي على توجيهات للتعامل مع الأزمات البيئية وكيفية التكيف مع التحديات البيئية الكبيرة التي قد تواجه البشرية.

كما أن القرآن يحتوي على دلالات أو توجيهات حول كيفية التصدي للتغيرات المناخية والطرق البيئية المستدامة للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية بشكل أفضل. توجد أيضًا توجيهات للتعامل مع التكنولوجيا الحديثة وكيفية استخدامها بشكل يعزز الاستدامة والخير للإنسانية. إن استكمال هذا الموضوع يتطلب استكشافات واسعة وعميقة في القرآن لاكتشاف مزيد من التوجيهات والمواعظ التي قد تحتويها في هذه الجوانب الأخرى للحياة المستدامة.

في القرآن الكريم، تُقدم بعض الآيات والمواضيع التي يمكن استكشافها لفهم مزيد من النواحي المتعلقة بالحياة المستدامة.

ـ التعامل مع الأزمات البيئية: تحتوي الآيات على مواعظ أو توجيهات حول كيفية التعامل مع الكوارث الطبيعية والأزمات البيئية وكيفية التكيف معها ومساعدة الأشخاص المتضررين. ،﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [1].

ـ التغيرات المناخية والاستدامة: توفر الآيات توجيهات حول التغيرات المناخية وأساليب الاستدامة للتصدي لهذه التحديات وللحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [1] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

ـ الاستدامة الدينية: الاستدامة الدينية في القرآن الكريم تعني الحفاظ على الروابط الروحية بين الإنسان وخالقه وكيفية تطبيق تعاليم الدين في جوانب مختلفة من حياة الفرد والمجتمع. يشجع القرآن الكريم على مفاهيم تعزز استدامة العبادة والروحانية والأخلاق والتوازن الداخلي.

من خلال التركيز على العبادة والأخلاق والتعاملات الإنسانية، يشجع القرآن على تحقيق التوازن بين الجانب الروحي والحياتي. وفي القرآن، تجد العديد من الآيات التي تعنى بالأخلاق وحسن المعاملة والعدل والرحمة والتواصل الحسن مع الآخرين.

علاوة على ذلك، يشجع القرآن على الاعتدال والتوازن في الحياة اليومية، سواء في التغذية والعبادة أو في التعامل مع الموارد الطبيعية والبيئة. يحث على استخدام الثروات بحكمة وعدالة، وعلى عدم الإسراف والتبذير، مما يعزز الاستدامة في الحياة اليومية.

الاستدامة الدينية في القرآن تعكس الدعوة إلى العمل الصالح والاعتدال في جميع جوانب الحياة، مما يؤدي إلى توازن واستقرار شامل ومستدام. القرآن الكريم يحتوي على مبادئ استدامة عميقة وقيم تُشجع على الحفاظ على البيئة، والعدالة الاجتماعية، والمسؤولية المجتمعية، والتوازن النفسي والروحي. هذه القيم والمفاهيم كانت موجودة في القرآن منذ قرون عديدة وليست اكتشافًا حديثًا.

يُعد القرآن المثل الأعلى و مرجعاً دائمًا وشاملاً للقيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية. على سبيل المثال، التوجيهات البيئية وحماية الطبيعة وجدت تعبيراً في القيم الإسلامية القديمة، مثل عدم الإسراف والتعامل الحسن مع النعم التي وهبها الله. كذلك، العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والمسؤولية الاجتماعية والتعليم كانت أساسية في قيم القرآن الكريم منذ زمن بعيد.

هذه المفاهيم لم تظهر مؤخرا بل كانت جزءاً من النهج الديني والأخلاقي للإسلام منذ البداية. يمكن اعتبار أن التطبيق العملي لبعض هذه المفاهيم قد زاد مع التقدم والتطور في فهمنا للعالم والتكنولوجيا، وربما تُظهر الأزمات البيئية والاجتماعية الحديثة أهمية إحياء هذه القيم وتطبيقها بشكل أفضل. لكن على الرغم من التقدم التكنولوجي والتغيرات في العالم، القيم الأساسية للاستدامة والتي وجدت في القرآن الكريم تظل متجذرة ومستمدة منذ زمن بعيد، مما يظهر عمق وشمولية هذا الكتاب الديني في توجيهاته لبناء مجتمعات مستدامة وأخلاقية.

إن القرآن الكريم قدم مبادئ الاستدامة والحياة المستدامة منذ 1400سنة، وذلك عبر التوجيهات والتعاليم التي تناولت جوانب متعددة للحياة الإنسانية.  التي تشجع على الحياة المستدامة والتوازن في جميع جوانب الحياة بما يتماشى مع القيم والتعاليم الإسلامية. تظهر هذه الاستدامة في عدة مجالات:

1ـ الحفاظ على البيئة: يشدد القرآن على الالتفات إلى الخلق والحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية. مثال على ذلك يأتي في سورة الأعراف (الآية 31): “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”، حيث يُظهر الحث على عدم الإسراف والاعتدال في استهلاك الموارد.

العدالة الاجتماعية والسياسية: يحث القرآن على تحقيق العدالة في المجتمع وتوزيع الثروة بشكل عادل. في سورة الحشر (الآية 7): “لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ”، تُظهر هذه الآية أهمية دعم الفقراء والمهاجرين وتحقيق العدالة الاجتماعية.

المسؤولية الاجتماعية: يشجع القرآن على تحمل المسؤولية تجاه الآخرين والمجتمع. في سورة البقرة (الآية 267): “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ”، حيث يظهر التشجيع على إنفاق الأموال بطريقة صالحة والابتعاد عن السوء.

التوازن في الحياة: القرآن يدعو إلى التوازن في حياة الإنسان، سواء كان ذلك في استهلاك الموارد أو التفاعل مع البيئة. هذا يتناسب مع مفهوم الاستدامة الحديث حول الحفاظ على التوازن بين احتياجات الجيل الحالي واحتياجات الأجيال المستقبلية.

5ـ العدالة الاقتصادية: القرآن يحث على العدالة في التعاملات الاقتصادية ويشير إلى الضرورة الأخلاقية لتوزيع الثروة والموارد بشكل عادل ومستدام. يمكن أن يتعلق ذلك بالزكاة والصدقات وكيفية توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، “وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ”. بالتالي، يمكننا أن نرى كيف أن القرآن الكريم قد وفر أسسًا للحياة المستدامة قبل ظهور الفهم الحديث للاستدامة منذ 1400سنة  هذه التوجيهات الدينية تقدم إطارًا شاملاً يعزز الاستدامة في مختلف جوانب الحياة.

خاتمة

باستكشافنا لمفهوم الاستدامة في القرآن الكريم وروحانيته، وجدنا أنه ليس مجرد كتاب ديني، بل دليل مستدام للحياة، وأدركنا أن هذا الكتاب المقدس يحمل بين طياته توجيهات لا تقتصر على الأمور الروحية فحسب، بل تتعدى إلى توجيهات عملية وعميقة لبناء مجتمع مستدام. فهو دليلٌ مباشرٌ على كيفية الحفاظ على الحياة والبيئة والتوازن في جميع جوانب حياتنا.

عبّر القرآن عن الاستدامة في خلق الكون، حيث أكد على الحفاظ على هذا الخلق العظيم والتعاون مع المخلوقات الأخرى. كما دعانا للتأمل في تنوع الكائنات وأهمية كل مخلوق في الحياة. أيضا، استضاف القرآن حوارًا عميقًا حول الاستدامة في حياة الإنسان، وكيف يمكنه أن يكون خليفةً عادلًا على الأرض ويرعى التوازن بين الاستفادة والحفاظ على الموارد. ليكون مصدر إلهام لفهم  الاستدامة في جميع جوانب حياتنا. من الخلق الكوني إلى رعاية البيئة وحتى الحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وجدنا فيه دليلاً حيًّا لتوجيهات الاستدامة.

من خلال توجيهاته بشأن الزراعة والرعاية الصحية والأكل والشرب والملبس، قدم لنا القرآن الكريم نموذجا عمليا للحياة المستدامة. تعلمنا كيف يمكن للقيم والمفاهيم الإسلامية أن تكون موجهًا فعّالًا لاستدامة مجتمعاتنا وأرضنا.

إن استدامة الحياة والبيئة والموارد ليست مجرد مفهوم بل تكامل حياتي يجب تحقيقه. وبالاستفادة من الإرشادات القرآنية، يمكننا بناء مجتمعات تعيش بتوازن وسلام، تحترم التنوع وتحقق العدالة.

القرآن يقدم لنا رؤية شاملة للحفاظ على العالم من حولنا، وهو يعلمنا أن نكون مسؤولين عن كل ما خلق الله. يعتبر الإنسان خليفة لله على الأرض، مما يعني أننا مأمورون بالحفاظ على هذا الوراثة الثمينة التي وهبها الله لنا.

في نهاية هذا الرحلة العلمية والروحانية، ندرك أن القرآن يمنحنا القدوة والتوجيه لنعيش حياة مستدامة، وأن الدين والعلم يتشابكان لنبني عالماً مستدامًا ومتوازنًا. إنه دليل يستنير به دربنا نحو عيشٍ أفضل، ويعلمنا كيف نكون مسؤولين على هذا العالم للأجيال القادمة. في ظل الاستدامة التي يدعونا إليها القرآن، نجد القوة والأمل لبناء مجتمع ينمو بعدل وسلام وازدهار متواصل.

عبر استعراض النصوص القرآنية، أصبحنا على دراية بكيفية دعم القرآن للتنوع والاستدامة في كل شيء خلقه الله. نمط الحياة المستدام المطلوب لا يقتصر فقط على البيئة، بل يتعدى ذلك ليشمل جوانب متعددة من حياتنا اليومية.

إن التوازن بين الأبعاد الدينية والعلمية للأفكار التي استخلصناها من القرآن الكريم يعكس كيف يمكن للدين أن يكون دافعًا للتغيير الإيجابي والاستدامة في مجتمعاتنا.

في طريقنا لاستكشاف أبعاد الاستدامة في القرآن الكريم، تجلى لنا مدى تعمق الحكمة الإلهية والإرشادات العملية التي يقدمها الدين الإسلامي. فقد رأينا كيف يُحث القرآن على الحفاظ على التوازن في كل جانب من جوانب الحياة، سواء كان ذلك في العلاقات الأسرية أو التفاعلات الاجتماعية، وحتى في إدارة الموارد والبيئة.

إن استيعاب قيم الاستدامة من القرآن ليس مجرد رؤية دينية، بل هو استدامة لحياة أفضل، ومستقبل أكثر إشراقًا للجميع. إنها دعوة للعيش في هدوء وتوازن، ولنكن خلفاء حقيقيين يحافظون على هذا التراث الإلهي لنستمر في إرثه للأجيال القادمة.

فلنعمل سويًا على ترجمة هذه الدروس إلى أفعال واقعية تسهم في بناء عالم أفضل، فالقرآن ليس فقط كتابًا للقراءة، بل هو دليل للعيش بحكمة واستدامة.

لذا، دعونا نستلهم من هذه الدروس والتوجيهات التي جاءت من مصدر الهداية، لنُحَدِّثَ عالمنا بأسلوب مستدام، مستلهمين من القيم الإسلامية التي تعلمناها من القرآن الكريم. لنكن جُسورا مستدامة للتواصل والفهم، ونعيش حياة تعكس الحفاظ على الأرض وعلى الذات وعلى الآخرين، ونكون جزءا متجذرا وبانيا في مجتمعاتنا بأسلوب متوازن ومستدام.

لنكن، بفضل هذه الإرشادات والتوجيهات، وكذلك بفهمنا لمقاصد وأهداف القرآن الكريم، رُسلًا للتغيير الإيجابي والحضاري، مساهمين في بناء مجتمعات مستدامة يعم فيها الخير والعدل والرخاء للجميع.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *