آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / الاحتباس الحراري والمنظومة الزراعية

الاحتباس الحراري والمنظومة الزراعية

بقلم: أ.د/علي إسماعيل

أستاذ إدارة الأراضي والمياه ـ معهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة ـ مركز البحوث الزراعية

لا شك ان ظاهرة الاحتباس الحراري قد اخذت من الاهتمام والبحث العلمي الكثير وتناولها البعض بصور مختلفة من النواحي العلمية والبحثية وتم اعداد العديد من البرامج العلمية باستخدام أجهزة الحاسب لوضع سيناريوهات مختلفة ترتبط بـالاحتباس الحراري وعلاقته بـالزراعة على نطاق عالمي وتأثير التغيرات المناخية علي التراكيب المحصولية وإنتاج الغذاء وخاصة في الدول النامية عنها في الدول الغنية.

ويؤثر الاحتباس الحراري على الزراعة من خلال التغيرات التي تتم  في متوسط درجات الحرارة وهطول الأمطار، والطقس المتقلب مثل العواصف وموجات الحرارة، وتغيرات الآفات والأمراض وتغيرات مستويات ثاني أكسيد الكربون  على مستوى الأرض، والتغيرات في جودة تغذية بعض الأطعمة، والتغيرات في ارتفاع منسوب البحار وان الدور الذي تقوم به معامل الهندسة الوراثية وعلماء تربية النبات اهم واعمق للوصول بأصناف نباتية تتأقلم وتتماشي مع التغيرات المناخية  ويمكن ان تحل جزء من المشكلة وتساهم في زيادة إنتاجية المحاصيل والأمن الغذائي.

ويؤثر الاحتباس الحراري بالفعل على الزراعة، مع تأثيرات موزعة بشكل غير متساوي في جميع أنحاء العالم ومن المحتمل أن يؤثر تغير المناخ المستقبلي سلبا على إنتاج المحاصيل في المناطق الاستوائية، في حين قد تكون التأثيرات في عرض _ جغرافي خطوط العرض الشمالية إيجابية أو سلبية ومن المحتمل أن يرفع الاحتباس الحراري من خطر انعدام الأمن الغذائي لبعض فئات السكان الضعيفة اقتصاديا، مثل الفقراء والمهمشين وغيرهم من السكان في بعض المناطق الفقيرة.

كما تُعتبر تربية الحيوانات مسئولة عن إنتاج الغازات الدفيئة من ثاني أكسيد الكربون والميثان في العالم، مما يتسبب في العقم المستقبلي للأراضي، وتشريد الأحياء البرية. كما تساهم الزراعة في تغير المناخ من خلال انبعاثات الغازات الدفيئة البشرية المنشأ، وتحويل الأراضي غير الزراعية مثل الغابات للاستخدام الزراعي وقد ساهمت الزراعة وتربية الحيوانات بنحو 20 إلى 25٪ في الانبعاثات السنوية العالمية في عام 2010 كما يمكن لمجموعة من السياسات أن تقلل من مخاطر التأثيرات السلبية لـتغير المناخ على الزراعة، وانبعاثات الغازات الدفيئة من القطاع الزراعي.

أول اتفاقية عالمية لتقليل إصدار الغازات الدفيئة هي برتوكول كيوتو وهي تطوير لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ والتي تم التفاوض بأمرها عام 1997 ويشمل هذا البروتوكول الآن أكثر من 160 دولة و55% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميا لكن الولايات المتحدة لم يوقعا على الاتفاقية رغم أن الأولى هي أكبر مصدر للغازات الدفيئة عالميا. انتهت هذه الاتفاقية عام 2012 وقد بدأت مناقشات ذلك منذ مايو 2007 حول الوصول الي اتفاقية جديدة.

اتفاق باريس

توصلت الأطراف في المؤتمر الـ21 للأطراف في باريس عام 2015 إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية إلى اتفاقية تاريخية لمكافحة تغير المناخ، وتسريع وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لتحقيق مستقبل مستدام منخفض الكربون. ويستند اتفاق باريس على الاتفاقية، ولأول مرة تجلب جميع الدول إلى قضية مشتركة للقيام ببذل جهود طموحة لمكافحة تغير المناخ والتكيف مع آثاره، مع تعزيز الدعم لمساعدة البلدان النامية على القيام بذلك. وعلى هذا النحو، فإنه يرسم مسارا جديدا في جهود المناخ العالمي.

إن الهدف الرئيسي لاتفاق باريس هو تعزيز الاستجابة العالمية لخطر تغير المناخ عن طريق الحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية هذا القرن أيضا إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ومواصلة الجهود للحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى أبعد من ذلك إلى 1.5 درجة مئوية.

وبمناسبة يوم الأرض الذي يحتفل به في 22 أبريل 2016، وقع 175 زعيما من قادة العالم اتفاقية باريس في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، حيث كان هذا أكبر عدد من البلدان توقع على اتفاق دولي في يوم واحد من أي وقت مضى حتى الآن، وهناك الآن 184 دولة قد انضمت إلى اتفاقية باريس.

ان العديد من البلدان وبعض الهيئات من المجموعات البيئية تشجع العمل الفردي ضد ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي كما تشجع الإجراءات المجتمعية والإقليمية للحد منها كما اقترح البعض تحديد حصة ثابتة من الإنتاج العالمي للوقود الأحفوري – أكبر مصدر مباشر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون وهناك أيضا إجراءات تجارية بشأن تغير المناخ، يتضمن ذلك جهود تحسين كفاءة استغلال الطاقة وبعض المحاولات لاستخدام أنواع بديلة من الوقود وفي يناير 2005 أعلن الاتحاد الأوروبي عن مشروع الاتحاد الأوروبي لتجارة الانبعاثات حيث ترتضي الشركات بالاشتراك مع الحكومات الحد من الانبعاثات أو شراء رصيد من أصحاب الانبعاثات الأقل من الحد المسموح كما أعلنت  استراليا في 2008 خطة الحد من تلوث الكربون وأعلن الرئيس الأمريكي  باراك _ أوباما باراك أوباما عن خطة اقتصادية لتجارة الانبعاثات عالميا.

في عام 2007 أصدر الفريق الحكومي الدولي (IPCC’s) تقريرا يفيد أنه لا يوجد تقنية بعينها في مجال بعينه يمكن أن تكون مسؤولة عن تخفيف الاحتباس الحراري العالمي بل هناك ممارسات رئيسية وتقنيات في مجالات متعددة مثل مجالات النقل الصناعة الزراعة وإمداد الطاقة ينبغي أن تنفذ لتقليل الانبعاثات العالمية واستنتجوا أن ثبات مكافئ ثاني أكسيد الكربون بين 445 و710 جزء في المليون بحلول 2030 سينتج عنه ما بين 0,6% زيادة و 3% انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي.

الفريق الحكومي الدولي للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ تم تعيين الفريق الحكومي الدولي المعني بـتغير المناخ من قبل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة لتوفير مصدر موضوعي للمعلومات العلمية. وفي عام 2013 أصدر الفريق الحكومي الدولي المعني بـتغير المناخ تقرير التقييم الخامس والذي بحث في علم تغير المناخ، وتوصل إلى نتيجة قاطعة إلى أن تغير المناخ هو حقيقة واقعة وأن الأنشطة البشرية هي السبب الرئيسي في ذلك.

تقرير التقييم الخامس ويقدم التقرير الخامس تقييما شاملا حول ارتفاع مستوى سطح البحر وأسبابه على مدى العقود القليلة الماضية. ويقدر أيضا انبعاثات CO2 المتراكمة منذ عصور ما قبل الصناعة، وتوفر الميزانية لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون المستقبلية للحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى أقل من درجتين مئويتين.

إن ما يقرب من نصف هذا الحد الأقصى من الانبعاث قد نتج بالفعل بحلول عام 2011  هذا هو ما نعرفه: ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.85 درجة مئوية من 1880-2012.  أصبحت المحيطات أكثر دفئا، وتضاءلت كميات من الثلوج والجليد وارتفع مستوى سطح البحر.

ارتفع متوسط مستوى سطح البحر في العالم بنسبة 19 سم كما توسعت المحيطات بسبب ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد من 1901-2010. تقلص حجم الجليد البحري في القطب الشمالي في كل عقد على التوالي منذ عام 1979، مع فقدان 1.07 × 106 كيلومتر مربع من الجليد في كل عقد.

ونظرا للتركيزات الحالية والانبعاثات المستمرة من غازات الدفيئة، فمن المرجح أن يشهد نهاية هذا القرن استمرار زيادة درجات الحرارة العالمية فوق مستوى ما قبل العصر الصناعي، وسوف تستمر محيطات العالم بالدفيء وسيستمر ذوبان الجليد. ومن المتوقع أن يرتفع متوسط مستوى سطح البحر ليكون 24-30 سم في 2065 و40-63 سم بحلول عام 2100 مقارنة مع الفترة ما بين 1986-2005، وستستمر معظم مظاهر التغير المناخي لعدة قرون حتى لو توقفت الانبعاثات، وهناك أدلة مقلقة في تحولات هامة، والتي ستؤدي إلى تغيرات لا رجعة فيها في النظم البيئية الرئيسية ونظام المناخ في الكوكب، إذا لم تكن بالفعل بلوغها أو تجاوزوا.

وقد تكون النظم البيئية المتنوعة مثل غابات الامازون المطيرة والتندرا في القطب الشمالي، قد اقتربت من عتبات تغيير جذري من خلال ارتفاع درجات الحرارة والجفاف. وتنذر الانهيارات الجليدية الجبلية بتراجع خطير وكذلك آثار انخفاض إمدادات المياه في الأشهر الأكثر جفافا حيث سيكون لها تداعيات تتجاوز الأجيال وفي أكتوبر 2018، أصدرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بـتغير المناخ تقريرا خاصا عن تأثيرات الاحتباس الحراري العالمي البالغ 1.5 درجة مئوية، حيث توصلت إلى أن الحد من الاحتباس الحراري العالمي بزيادة درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية سيتطلب تغييرات سريعة بعيدة المدى وغير مسبوقة في جميع جوانب المجتمع، حسبما ذكرت الهيئة في تقييم جديد. مع فوائد واضحة للناس والنظم البيئية الطبيعية، وجد التقرير أن الحد من الاحتباس الحراري العالمي إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بـ 2 درجة مئوية يمكن أن يسير جنبا إلى جنب مع ضمان مجتمع أكثر استدامة وعدالة. في حين ركزت التقديرات السابقة على تقدير الأضرار إذا ارتفع متوسط درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين.

وقد سلط التقرير الضوء على عدد من تأثيرات تغير المناخ التي يمكن تجنبها عن طريق الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بـ2 درجة مئوية أو أكثر على سبيل المثال، بحلول عام2100 يكون ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي أقل بمقدار 10 سم مع ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية مقارنة بـ2 درجة مئوية.

إن احتمال وجود محيط في القطب الشمالي خالٍ من الجليد البحري في الصيف سيكون مرة واحدة في كل قرن مع ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية، مقارنة مع مرة واحدة على الأقل لكل عقد مع 2 درجة مئوية. فالشعاب المرجانية ستنخفض بنسبة 70-90 في المائة مع ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية، في حين أن جميع (99 في المائة) تقريبا سوف تضيع مع 2 درجة مئوية). ويخلص التقرير إلى أن الحد من الاحتباس الحراري العالمي إلى 1.5 درجة مئوية يتطلب تحولات “سريعة وبعيدة المدى” في الأرض والطاقة والصناعة والمباني والنقل والمدن.

يجب أن تنخفض الانبعاثات العالمية الصافية الناتجة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 45٪ عن مستويات عام 2010 بحلول عام 2030، لتصل إلى “صافي الصفر” في حوالي عام 2050. وهذا يعني أنه يجب موازنة أي انبعاثات متبقية عن طريق إزالة ثاني أكسيد الكربون من الهواء.

وتأتي تأثيرات الاحتباس العالمي بصورة واسعة النطاق وبالتالي هناك اقتراحات حلول عديدة ممكنه لإجراءات التأقلم مع الاحتباس الحراري العالمي في جميع المجالات وقد تبدأ بمجموعة من الحلول البسيطة كاستخدام  مكيف هواء في المنازل حتى تصل الي الحلول الكبيرة كهجرة المناطق المهددة بارتفاع مستوى سطح البحر.

في قطاع الزراعة، يشمل التأقلم اختيار المحاصيل الملائمة للأحوال المناخية الجديدة فعلى سبيل المثال يزرع الفلاحون في الهند أرز من فصيلة تشامبيسوار التي تتحمل الفيضانات.

وفي مصر بدأت دراسات تأثير تداخل وارتفاع سطح البحر علي الدلتا ووضع حلول التكيف المناخي من خلال الدورة المبتلة لـزراعة الأرز في حزام منطقة شمال الدلتا وتحديد نطاق التداخل لتقليل تأثير تداخل مياه البحر وكذلك مشروعات حماية الشواطئ وانشاء المدن الساحلية وفي أفريقيا تم اكتشاف أنه مع زيادة معدل هطول الأمطار أو انخفاضه يتحول المزارعون بين المحاصيل التي تستهلك كميات كبيرة من المياه وبين المحاصيل التي تتحمل الجفاف كما تشمل الإجراءات المقترحة بناء السدود وتغييرات في الرعاية الصحية والتدخل لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.

استخدام مصطلح هندسة المناخ Geoengineering سيضمن التطوير المتوازن للبيئة الطبيعية على نطاق واسع لتلائم الاحتياجات البشرية من خلال معالجة الغازات الدفيئة – كأحد تطبيقات هندسة المناخ وقد يبحث إزالة هذه الغازات من الغلاف الجوي عن طريق عزل ثاني أكسيد الكربون.

ومن خلال الدراسات المقدمة من انه لم يعد بوسع خبراء الاقتصاد تقديم أرقام خاصة بأضرار التغيرات المناخية وظاهرة الاحتباس الحراري، ولكنهم يعتبرون التكلفة المحتملة لا نهاية لها وقد اوضح هنري دي كاستريس رئيس اكسا وقال في مايو 2015 في مؤتمر القمة المعني بالمناخ عالم واحد + 2 درجة مئوية يمكن أن يتم التأمين والسيطرة عليه مرة أخري، بينما عالم واحد + 4 درجة مئوية لن يكون ولا يمكن ووفقا لتقرير البنك الدولي لعام 2013، فإن الخسائر والأضرار السنوية المرتبطة بالتغيرات المناخية قد ارتفعت من 50 مليار دولار في التسعينات، إلى ما يقرب من 250 مليار دولار خلال العقد الأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *