آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / الإرشاد الصحي المجتمعي بين الواقع والمأمول

الإرشاد الصحي المجتمعي بين الواقع والمأمول

أ.د/علاء الخولي

بقلم: أ.د/علاء الخولي

وكيل البحوث والدراسات بمعهد الأمصال واللقاحات البيطرية بالعباسية

لقد نشأ خلال الأعوام الأخيرة الكثير من العلوم التي تنوعت وتعددت فروعها طبقاً لحاجة الشعوب والحكومات وبنفس القدر الذي تقدمت به التكنولوجيا وتنوع المهن والمجالات التي يبتكرها ويعمل فيها الإنسان. كما أن علوما كثيرة حديثة قد ولدت من رحم العلوم الأساسية أو جمعت بينها مثل: الهندسة الطبية الذي يجمع بين علوم الطب والهندسة، والهندسة التحليلية الذي يجمع بين علوم الهندسة والتفاضل والتكامل، وهندسة الميكاترونكس الذي يجمع بين علوم الهندسة الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية، ومن علم النفس المهني نشأ فرعي النفس الطبي والصناعي، وغيرها من العلوم مثل علوم الطاقة والفضاء والإلكترونيات والتكنولوجيات الرقمية والحيوية وتكنولوجيا النانو والبوليمرات الصناعية.

من أهم هذه العلوم علم الإرشاد بمفهومه الواسع والذي في جوهره التفاعل والتكامل مع غيره من العلوم الأخرى لتحقيق أهدافه الخاصة والمشتركة والتي تصب في صالح المواطن ضمن برامج الاستراتيجية القومية للتنمية المستدامة، بهدف توعية وتثقيف المواطنين وتعريفهم بالمعلومات الجديدة التي يحتاجون معرفتها وتعزيز المعلومات المتوفرة لديهم، والتوجيه بكيفية الحافظ علي صحتهم ومقدراتهم ومعيشتهم وينمي مهاراتهم ومساهماتهم وقدراتهم الإنتاجية والإبداعية من أجل تقدم ورفاهية المجتمع.

إن الإرشاد البيطري هو عملية توجيه للمعلومات العلمية البيطرية لمساعدة السادة صغار وكبار المربين والكيانات العاملة في مجالات الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي وتعريفهم بالمعلومات الأساسية والمستجدات عن الأمراض بأنواعها وكيفية الوقاية منها، وكل ما يحتاجون معرفته من أجل حماية وتنمية استثماراتهم، ما يؤدى إلي زيادة الموارد المحلية من البروتين الحيواني الآمن مع الحفاظ على البيئة من التلوث بـالمخلفات الحيوانية، وكذلك يهدف إلى نشر الوعي بين المواطنين بصفة عامة فيما يخص التعامل مع الحيوان والطيور والأسماك ومنتجاتها والطرق المثلى لتربيتها وتغذيتها وكيفية الوقاية من الأمراض المعدية والمشتركة بينها وبين الإنسان.

ولذا فإن الإرشاد البيطري كأحد المهن الإرشادية الهامة مثل: الإرشاد الزراعي، والإرشاد السياحي، والإرشاد الصحي، يمثل أحد الركائز المجتمعية والتنموية الهامة ضمن برامج الاستراتيجية القومية للتنمية المستدامة 2030، فيما يعرف عالميا بالصحة الواحدة أو الثالوث الصحي (الإنسان والحيوان والبيئة) وبالتكامل مع المهن الأخرى كالطب والزراعة والبيئة، حيث ترتبط صحة الحيوان ارتباطا وثيقا بصحة الإنسان، والذي تؤكده المراجع العلمية بأن‏ غالبية الأمراض الجديدة التي أصيب بها الإنسان في السنوات العشرون الماضية نتجت من مسببات مرضية ذات منشأ حيواني (إما بمخالطة الحيوان أو منتجاته أو مخلفاته)، وأن كثير من هذه الأمراض انتشر في البيئة بوسائل مختلفة وأصبح يمثل مشاكل صحية واقتصادية عالمية، بالإضافة للأمراض المعروفة أنها تنتقل من الحيوان للإنسان (أكثر من 200 مرض)، وأهمها أمراض أنفلونزا الطيور، وأنفلونزا الخنازير، والسعار (داء الكلِب)، وحمى الوادي المتصدع، والبروسيلا (الحمى المالطية)، والسل (الدرن)، والدودة الشريطية ‏ وجنون البقر

وبلا شك فإن اللقاحات البيطرية هي خط الدفاع الأول لمقاومة والسيطرة على جميع الأمراض المعدية والوبائية التي تهدد الثروة الحيوانية والداجنة سواء كانت متوطنة أو وافدة وعابرة للحدود وكذلك حماية الإنسان من مخاطر الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، كما أن صناعة اللقاحات البيطرية تعتبر أحد التحديات التي تواجه حماية وتنمية الثروة الحيوانية والداجنة في مصر والعالم أجمع.

بالرغم من أن العديد من الأطباء البيطريين يعملون في مجالي الإرشاد البيطري وصناعة المستحضرات الحيوية البيطرية خاصة اللقاحات البيطرية، تحت مظلة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، والهيئة العامة للخدمات البيطرية، وكذلك قطاع الاستثمار الوطني، إلا أنه لا يوجد مادة علمية مستقلة تختص بـالإرشاد البيطري أو بـصناعة اللقاحات ضمن العلوم البيطرية العديدة التي تقوم كليات الطب البيطري بتدريسها لطلابها، ونظراً لأهمية الإرشاد البيطري وصناعة اللقاحات البيطرية في التنمية المستدامة ودعم الاقتصاد الوطني فيجب أن يصبح كلاهما علماً مستقل ويتم تدريسهما لطلبة كليات الطب البيطري المنتشرة في ربوع الوطن بهدف تطوير الإعداد والتأهيل لخريجي الطب البيطري لسد الفجوة الكبيرة في أعداد شباب البيطريين ودعم سوق العمل الوطني في مجالي الإرشاد البيطري وصناعة اللقاحات الوطنية.

كما أن المجتمع أصبح في حاجة حقيقية لوجود كيان موحد للإرشاد الصحي المجتمعي يجمع في هيكله كافة تخصصات المهن الإرشادية للثالوث الصحي (الصحي والبيطري و البيئي) لتكاتف الجهود والعمل المشترك من أجل أهداف رئيسية وهي:

ـ توعية وتثقيف المواطنين بكل ما يهمهم فيما يخص التعامل مع الحيوانات والدواجن والأسماك ومنتجاتها في حالات الصحة والمرض وكيفية تربيتها، والتخلص الآمن وطرق الاستفادة من مخلفاتها للحفاظ علي البيئة ومنع تلوثها، وطرق الوقاية من الأمراض المشتركة مع الإنسان.

ـ توعية المربين ببرامج إدارة المزارع الإنتاجية من حيث أسلوب الرعاية والتغذية والعلاج، وضرورة انتظام برامج التحصين ضد الأمراض المتوطنة طبقاً لمستجدات الحالة الوبائية، واشتراطات تداول الحيوانات في الأسواق، ومراعاة تطبيق سبل الأمن والأمان الحيويين للمزارع والحظائر والمنشآت الإنتاجية الغذائية، ومكافحة الحشرات والقوارض، خصوصا في القطاع الريفي لأن أكثر من‏ %90 من الثروة الحيوانية في حوزة صغار المربين الذين يحتاجون كثيرا لتلك الثقافة والتي يجب الاهتمام به.

ـ توعية المربين بطرق الإنتاج الحديثة لتنمية القطعان، وبمواصفات الحيوان الصحي السليم، وكذلك التركيبة المثلى للأعلاف والتغذية التي تصل إلى أعلى إنتاجية بأقل تكاليف.

ـ إعداد وتوزيع النشرات الإرشادية للتوعية بالأمراض الحيوانية والأمراض المشتركة خصوصاً الأمراض التي تنتقل عن طريق الأغذية (مثل الحليب واللحوم والبيض ومصنعاتها) لكي يحصل المجتمع علي جميع متطلباته من مصادر البروتين الحيواني بصورة لا تضر بصحة أفراده.

ـ الإنذار المبكر والتوعية بالأمراض الوبائية قبل دخولها الأراضي المصرية وتوفير اللقاحات المحلية الضرورية للتحصين ضدها وكيفية التعامل معها حال ظهورها، وذلك بالتنسيق بين جميع مؤسسات الدولة ذات الصلة وكذلك المنظمات العاملة علي الأراضي المصرية مثل منظمات الصحة العالمية والفاو ومكتب الأوبئة العالمي، والتعاون العلمي والبحثي بين المراكز البحثية والجامعات في كافة التخصصات المشتركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *