آخر الأخبار
الرئيسية / رأى / الأرز بين المتوقع والواجب

الأرز بين المتوقع والواجب

د.صلاح يوسف، وزير الزراعة الأسبق

بقلم: د.صلاح يوسف

المعلوم أن زراعة الأرز تحتاج إلى كميات كبيرة نسبيا من المياه .. والحقيقة أن هذه الفكرة قد تغيرت كثيرا مع تطوير أساليب الزراعة ومع إنتاج أصناف جديدة إحتياجاتها المائية أقل بكثير وفى نفس الوقت ظهرت أصناف أو هجن ذات إنتاجية تصل إلى حوالى 6 طن/فدان مقارنة بالأصناف التى نتميز بها عريضة الحية والتى تصل إنتاجيتها إلى 4 طن/فدان .. وحساباتنا المعتادة هى إجمالى حاجة المستهلك المصرى من الأرز هى حوالى 4 مليون طن سنويا ..

وكانت الحسابات على متوسط إنتاجية الفدان حوالى 3 طن بما يعنى حاجتنا إلى حوالى 1,4 مليون فدان لإنتاج أرز يكفى الإستهلاك المحلى مع زيادة المساحة على 1,4 مليون فدان فى حالة الرغبة فى التصدير، أو تصدير جزء من الإنتاج المحلى مع تعويض النقص عن طريق الإستيراد ويكون هناك فائض فى ميزان الأرز التجارى فى هذه الحالة نظرا لجودة الأرز المصرى العالية وإرتفاع أسعاره فى مقابل الأرز المستورد .. وزيادة سعر الأرز المصرى فى حالة التصدير شجعت الكثير من المزارعين والمصدرين على تخطى المساحات المحددة سابقا من الحكومات لتحقيق أرباح كبيرة خاصة وضعف الحكومات فى ضبط المساحة المنزرعة لتغاضيها عن معاقبة المخالف لظروف الإنتخابات والمواءمات السياسية عبر العقدين الماضيين ..

ولكن الحقيقة منظومة عمل الرئيس السيسى تصر على تنفيذ معاقبة المخالف وبالفعل بدأت الإستجابة من المزارعين .. وهذا فى حد ذاته أمر واجب التقدير والإحترام خاصة وأن تجاوب بعض المصريين تجاه التعليمات التى توجه بالحسنى يكون ضعيفا للغاية ..

ومحاولاتنا السابقة لتوفير منظومات عمل زراعية يطبقها الجميع طواعية لم يقابلها أى نجاح بينما منظومات العمل الإجبارية التى يقابلها عقاب تبعا للقوانين المنظمة واجب النفاذ يجعل الجميع يتجاوب أو على الأقل الأغلبية تتجاوب .. وبالتالى أننى بقدر بقوة بل أحيى منظومة العمل التى تفرض تنفيذ الإتجاهات الحكومية وفى نفس الوقت أوجه اللوم بشدة للمصريين لعدم التجاوب إلا فى حالة وجود قوانين رادعة تنفذ حيث كان الواجب أن يتفهم الناس مصالح الدولة وتنفذ توجيهاتها دون التهديد والوعيد ..

ونعود إلى الأرز والمساحة المنزرعة .. القانون الذى صدر أخيرا دعم وزيرى الزراعة والرى لتحديد المساحات المنزرعة من المحاصيل المختلفة ومواقعها هو فى الحقيقة أقر صلاحية موجودة بالفعل لوزير الزراعة ولكن دور القانون فى التأكيد على الصلاحية مع تغليظ العقوبات عند المخالفة .. وربما لو تولت الدولة متمثلة فى وزارة الزراعة ووزارى الرى ومراكز البحث العلمى والجامعات وأخص بالتأكيد مركز البحوث الزراعية القيام بدور التوجيه والإرشاد المناسب مع نشر الأصناف ذات الإحتياجات المائية الأقل مع الزراعة على المصاطب وتعظيم دور الأسمدة والمخصبات بل ومحسنات التربة ..

كل هذا من شأنه أن يجعل متوسط إنتاجية الفدان لا تقل عن 4 طن أرز شعير بل ربما تزيد عن ذلك .. وفى نفس الوقت الحفاظ على مساحة 1,4 مليون فدان مع تخفيض الإستهلاك المائى لها والذى ربما يزيد عن 1000 متر مكعب لكل فدان على الأقل بما يوفر كمية مياه ربما تزيد على مليار متر مكعب ماء وهى تغطى الفرق فى المساحة المنزرعة الكافية للإحتياجات عن المخطط زراعته ..

ويمكن فى نفس الوقت زراعة القطن شتلا بما يوفر رية توفر حوالى نصف مليار متر مكعب مياه فى حالة زراعة نصف مليون فدان .. هذه الأمور من شأنها المحافظة على مساحة منزرعة ربما تزيد عن 1,1 مليون فدان أرز .. ولكن ربما واقعية الحكومة في تقدير الطموحات والقدرات التنفيذية جعلها تقرر أن المساحة المنزرعة فى هذا العام هى فى حدود 700 ألف فدان أو حولها .. وبالتأكيد الحكومة هى المسئولة وبالتالى من حقها تقدير الأمور وإتخاذ القرارات المناسبة ..

ونتوقع هنا أن يستمر بالتأكيد فتح باب الإستيراد لتغطية العجر فى إحتياجات المواطنين من محصول الأرز .. وحقيقة الحكومات المختلفة بما فيها الفترة التى تولينا فيها المسئولية أصرت على فتح باب الإستيراد نظرا لمحاولات بعض التجار المحليين فى السيطرة على سوق الأرز المصرى محليا والتحكم فى أسعاره لصالحهم على حساب الدولة والمواطنين .. وبالتالى فتح باب الإستيراد لن يكون بالأمر الجديد بل هو تقليدى ومتوقع وطبيعى .. وربما ستظهر مشكلة هى طلب إستيراد أرز شعير بدلا من الأرز الذى سبق تبييضه لتقليل نفقات إستيراد الأرز وبالتالى المحافظة على سعر مقبول نسبيا لدى المستهلك المصرى .. خاصة وأن هناك مضارب الأرز ستطالب أيضا بالموافقة على استراد الأرز الشعير حتى يتسنى لها العمل بدلا من التوقف لنقصان المحصول المتوقع .. وسنسمع أن هناك حوالى نصف مليون عامل سيتحولون إلى البطالة ..

ومن الناحية العلمية فإن الباحثين بـمركز البحوث الزراعية سيرفضون استيراد أرز شعير حتى لا ينتقل إلينا أمراضا نباتية بخلاف مسببات أمراض الإنسان أو أضرارها على صحته .. إلا أن المتوقع أن يزداد ضغط المستوردين وأصحاب المضارب على الحكومة حتى لا تحدث أزمة على مستوى المواطن المصرى ..

ونتوقع أن ترضخ الحكومة لهذه الضغوط لسابق خبرتنا .. ولكن دعما منا للحكومة من الآن نؤكد أن ما هو متوفر لدينا من نشاط علمى وخبرات علمية وإرشادية وأصناف محلية فإننا قادرين على أن نلبى إحتياجات المواطن المصرى من الأرز وإذا كان هناك نقص فيجب أن يتم تغطيته طبقا للقواعد التى يضعها العلماء المتخصصون بـمركز البحوث الزراعية .. وأن التساهل فى إدارة هذا الأمر سيكون عواقبه مستقبلا أكبر ..

ومن جانبى فإننى أؤكد أنه على المجتمع المصرى كله وخاصة باحثيه أن يرشدوا بل ويقللوا من إستهلاك المياه بكل الطرق الممكنة وفى نفس الوقت لابد من إستغلال القدرات العلمية لحل كل المشاكل .. هنا فقط مصر تستطيع .. وهى بفضل الله تستطيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *