آخر الأخبار
الرئيسية / ملفات ساخنة / أسامة بدير يكتب: الزراعة المصرية من منظور حقوقى

أسامة بدير يكتب: الزراعة المصرية من منظور حقوقى

فلاح مصرى
فلاح مصرى

من أين نبدأ وكيف؟ وهل مشكلات الزراعة المصرية تنبع من داخلها أم أن جذور هذه المشكلات من خارجها؟ أم الإثنين معا؟، وما هي القضايا التي يمكن أن نعتبرها بمثابة الحلقة الرئيسية في هذه المشكلات ويمكن أن تحيلنا إلى حلقات أصغر ترتبط بهذه الحلقة الرئيسية؟ والتى إذا ما تناولناها وشرعنا في مواجهتها وتمكنا من كسرها يصبح التعامل مع بقية الحلقات المرتبطة بها أكثر سهولة ويسرا؟

ولما كانت ولا زالت الزراعة، هي المحرك الاقتصادي الأساسي لكثير من البلدان النامية والأقل تنمية في العالم، حيث يعمل أغلب السكان في الإنتاج الزراعي الصغير الذي يخدم احتياجاتهم المعيشية. إذن فهى قطاع مهني ضخم، ذلك أن 44% من سكان العالم يعملون في هذا القطاع الحيوى.

في مصر يعيش نحو 57,5% من السكان في مناطق ريفية يعمل أغلبهم بالزراعة التي توفر نشاطا اقتصاديا لهم، كما تسهم بدرجة هامة في التنمية الريفية وتمهد الطريق لتحقيق الأمن الغذائي وحقوق الإنسان، ومن أهم هذه الحقوق، الحق فى توفر فرصة العيش التي يجب حمايتها لضمان الزراعة والدخل الكافي لتحقيق حياة كريمة تحافظ على كرامة الأسرة، والحق فى العمل الذي يجب أن يوفر أجرا كافيا للعيش، وظروف عمل كريمة، وضمانا اجتماعيا، والحق فى السكن والمياه الآمنة، والغذاء الذي يجب أن يكون آمنا ومغذيا ومتوفرا وقابلا للحصول عليه ومقبولا ثقافيا، والحق فى التعليم الذي يجب أن يتضمن التدريب وبناء القدرات والأنشطة التمكينية، والحق فى بيئة نظيفة وآمنة، والحق فى الرعاية الصحية والطبية الفعالة، بما في ذلك العلاج والأدوية وأماكن تقديم الخدمة والرعاية التمريضية، والحق فى الأمان الاجتماعي بما في ذلك المعاشات والتأمينات الاجتماعية وضمان الخدمات العامة، والحق فى الاجتماع وتكوين الجمعيات.

إن قضية انتهاك حقوق صغار الفلاحين، فى ظل سياسات التحرر الاقتصادى وما تبعها من اتفاقيات وقعتها الحكومة مع أطراف عديدة – اتفاقية المشاركة المصرية الأوروبية وغيرها – وآثارها الاجتماعية الاقتصادية عليهم، لم يعد من الممكن مواجهتها محليا، بل أصبحت هناك ضرورة ملحة لتنسيق السياسات الزراعية على المستوى المحلى والإقليمى بل وحتى الدولى، وإعادة النظر فيها أصبح أمرا مفروضا لتحقيق تطلعات الفلاحين عامة وصغارهم خاصة، من أجل توفير الأمن الغذائى وتعزيز القدرات الغذائية والتصنيعية، وهو ما يحقق العيش الكريم والحقوق الإنسانية لجميع البشر فى المجتمع الريفى والحضرى.

وكنتيجة لما يتعرض له صغار الفلاحين من انتهاكات حقوقية فى ظل حزمة سياسات الخصخصة، والغياب الكامل للبعد الاجتماعي لها، إضـافة إلى عدم توفير الدعـم والحماية الكافية لهم من قبل الحكومة، فإن القطاع الزراعى بات فى إنهيار مستمر، فمساحة الأرض الزراعية وقفت عند 8,384 مليون فدان حيث انخفض نصيب الفرد من المساحة الزراعية لأدنى مستوى له منذ يوليو عام 1952، حيث كان نصيب الفرد 0,2 فدان، وأصبح الآن لا يتعدى 0,1 فدان رغم زيادة عدد السكان أربع أضعاف ما كانت عليه عام 1952، وإهدار أكثر من مليون فدان من أجود الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى النزح العمراني وعمليات التجريف والتبوير التي أثرت على إجمالي المساحة الزراعية حيث يستنزف منها سنويا ما بين 60 إلى 70 ألف فدان، وإذا ما استمر هذا النزيف للأرض الزراعية فإنها ستختفى فى غضون 60 عاما كما توقعت أحدث دراسة علمية أجراها علماء الهيئة القومية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء.

كما فشل القطاع الزراعى فى ظل هذه السياسات أن يقوم بدوره فى تمويل قطاعى الإنتاج والخدمات، وفى تحقيق الأمن الغذائي حيث بلغت نسبة الإكتفاء الذاتي عام 2015 من الزيوت 11%، والبقوليات 34%، والقمح 56% ، ومن لحوم الدواجن والبيض واللبن والأسماك واللحوم الحمراء 71%، ومن الخضر 81%، ومن السكر 61%.

ولم تكن الأزمة الغذائية في مصر إلى حد كبير – وحتى عهد قريب – مشكلة نقص أو شح في الموارد المتاحة، ولا نموا سكانيا متسارعا أو عجزا في الإمكانات المالية فقط، وإنما هي بالدرجة الأولى مسألة فشل في السياسات الزراعية، وسوء استغلال لما هو متاح من موارد، فهي جزء من مسألة التنمية في جوهرها، بأنماطها الإنتاجية والاستهلاكية والتوزيعية على المستوى المحلي.

ولعل أهم الانتقادات التى وجهت إلى أوضاع الزراعة الحالية فى ظل تخلى الحكومة عن دورها كشريك أساسى وفاعل جانبا إلى جنب مع صغار الفلاحين هى أنها أدت إلى عديد من الآثار السلبية الاجتماعية الاقتصادية والبيئية على صغار الفلاحين، وتدهور كامل فى بيئتهم الطبيعية وحياتهم الريفية.

ومن هنا لابد من إيجاد إستراتيجية بديلة تضمن الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية الزراعية بشكل يتيح مستوى معيشة لائق وحياة كريمة إنسانية لأبناء المجتمع الريفى.

ولكى يتم وضع هذه الاستراتيجية الخاصة بالقطاع الزراعى متضمنة بين ثناياها المنظور الحقوقى لكل عناصرها بالشكل الذى يمكنها من تحقيق أهدافها ينبغى التعرف على عناصر الزراعة المصرية، وكيف يمكن الربط بينها فى ظل منظومة متكاملة تستهدف فى المقام الأول الإرتقاء بالفلاح اقتصاديا واجتماعيا وتقافيا وحضاريا.

وتشمل عناصر الزراعة المصرية كل من الريف والفلاحون، والسياسات والقوانين والتشريعات، والبحث والتدريب، والإرشاد الزراعي، والزراعة على جداول أعمال الأحزاب السياسية وفى الإعلام، والأرض والتربة الزراعية، والموارد المائية، والطاقة، والتكنولوجيا الزراعية، والإنتاج الزراعى والحيوانى والفجوة الغذائية.

وما من شك فى أن تكامل هذه العناصر وربطها مع بعضها البعض فى منظمومة توافقية تراعى وتصون وتحمى بشكل أساسى مبادىء حقوق الإنسان التى نص عليها الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر يوم 10 ديسمبر عام 1948، والعهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر فى 16 ديسمبر من عام 1966، سيتح فرصا عديدة لتحقيق نهضة زراعية كبرى تتحق معها كل مقومات الحياه الكريمة للفلاح بشكل خاص وجميع أفراد المجتمع فى الحصول على الغذاء بشكل آمان.

للتواصل مع الكاتب

usamabedir@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *