آخر الأخبار

أسامة بدير يكتب: البلطجة العلمية

د.أسامة بدير ـ رئيس تحرير الفلاح اليوم
د.أسامة بدير ـ رئيس تحرير الفلاح اليوم

ربما يسأل أحدنا عن سبب هذا الكم الهائل من المشكلات التى يُعانى منها القطاع الريفى فى مصر!.. رغم أن ثمة جهود جبارة تُبذل ليل نهار من أناس مخلصين يعيشون على أرض هذا الوطن، يسعون بكل جد واجتهاد لتقليص والحد من تبعات تلك المشكلات على أبناء المجتمع الريفى.

لكن، المتابع للشأن الريفى فى مصر يتأكد تماما من فجوة كبيرة موجودة بين الريف والحاضر.. ولأن الصورة كبيرة وذات خطوط متشابكة ومتقاطعة، ويقينى أنه لا يمكن الفصل بينها إلا للتبسيط وتسهيل فهم هذه الإشكالية التى أضحت تُعد بمثابة مرض مزمن انتقل ولا يزال يسرح فى كل أجزاء ومكونات أجهزة البحث العلمى الزراعى، كأحد أهم وأخطر الأجهزة العلمية فى مصر المنوط لها رصد ومتابعة ظواهر وإشكاليات القطاع الريفى وإيجاد الحلول العلمية لها فى سياق وإطر قابلة للتطبيق وفى مناخ يسوده الشفافية والعدالة للجميع أملا فى العيش بكرامة إنسانية.

نقترب أكثر من الصورة لتوضيح الفكرة وتشريح الإشكالية، التى أحاول لفت الأنظار إليها، على اعتبار أنها تمثل محور رئيسى قد يكون هو أساس الفشل الذريع التى تعانى منه معظم أجهزة البحث العلمى الزراعى فى مصر.

من يقترب أكثر من هذه الأجهزة البحثية الزراعية ليرصد انتاجها العلمى، بالتأكيد سوف يجد الغالبية الكاسحة من الباحثين فيها على أعلى مستوى علمى، وانتاجهم العلمى متميز، الذى لو تم تطبيقه على أرض الواقع  فى الزمان والمكان وبنفس الآليات التى أوصى بها، حتما لتغير وجه الحياة فى الريف المصرى.

لكن، ليست الصورة بهذا الشكل المثالى.. الواقع يؤكد أن هذه الأجهزة البحثية الزراعية داخلها، تُعشعش عناكيب الجهل والتخلف والجمود  والرجعية، ومُدعى العلم، ومُخترعى الفهلوة، وأصحاب الفكاهة البحثية، الذين لا هم لهم، ولا شاغل سوى السطو العلمى والسخرية المبتذلة على مجهودات الأخرين، ناهيك عن الإدعاء بامتلاك مقومات وأدوات البحث، وهم مع الأسف جهلاء لا يفقهون شيىء، فهم مُهرجون دائما، يفرضون سطوا بالغ الخطورة على أفكار وإبداعات غيرهم، يمتلكون بكل مهارة واقتدار تلميع أنفسهم أمام الأخرين فى ظل غياب كامل لأعمال علمية ذات قيمة لهم سواء على الصعيد المحلى أو الإقليمى والدولى.

لا يمكننى إلا أن أسمى مثل هؤلاء بأصحاب الياقات الخضراء مُدعى العلم فى شقه الزراعى، رغم أنهم أجهل من الجهل، تمثيليات وقصص وأفلام يقصونها عن أفعالهم وبطولاتهم المزموعة لبحوث وإنجازات علمية قاموا بها، لكن من يُدقق ويتحرى ورائهم ويسأل عنهم، يتأكد تماما أن تلك القصص والحكايات هى فقط من وحى خيالهم ولا وجود لها على أرض الواقع.

حدثنى، أحد أبطال مُدعى العلم فى أحد أجهزة البحث العلمى الزراعى عن صولات وجولات قام بها فى أحد سفرياته الخارجية حيث كان ممثلا لوزارة الزراعة، الصدفة فقط هى التى كشفت زيف إدعاءات هذا الكائن الذى يدعى أنه عالم كبير، وأخر قال لى أننى قمت بإعداد بحثيين لأحد قيادات وزارة الزراعة لترقيته إلى درجة أستاذ، رغم علمى أن هذه القيادة التى يدعى هذا الكائن أنه قام بعمل بحثيين لها تملك من المهارات والقدرات ما يجعلها تقوم بإعداد عشرات البحوث ذات القيمة والكفاءة، هكذا مدعو العلم أصحاب الياقات الخضراء.. هى سماتهم التى أبرزها الميل لفرض واقع غريب يحيط بهم وبإنجازاتهم المزعومة التى لم يسمع عنها ولا يعرفها سوى أنفسهم فقط.

الشاهد، أن مثل هؤلاء مُدعى العلم أو بالأحرى يمكن أن نُطلق عليهم بلطجية العلم ينقضون على كل شيىء بالفهلوة محاوليين بشتى الطرق الشرعية وغير الشرعية الإيهام بإنهم أصحاب فكر وبصيرة، لكنهم ليسوا كذلك، بل هم بلطجية يُدمرون العلم ومفاهيمه ونظرياته، يتاجرون بآلام البسطاء من فقراء الريف بمشاركتهم فى برامج لمشاريع تنموية زائفة بحجة تنمية الريف، يسرقون مجهود أناس أفضل منهم بكثير.

إن واقع أجهزة البحث العلمى الزراعى فى مصر مع استمرار هذه العُصبة من أصحاب الياقات الخضراء بلطجية العلم فى ممارسة أعمالهم الوهمية الكاذبة، سوف يُنذر بضياع ثروة مصر البشرية المتمثلة فى العقول المستنيرة التى تعمل فى صمت من أجل رفعة وتمكين الريفيين اجتماعيا واقتصاديا وحضاريا، ولذا فأنا أدق ناقوس الخطر لكل عالم جليل يحترم أدبيات علمه وعمله.. لكل صاحب ضمير.. لكل عاشق لتراب هذا الوطن.. لكل قيادة واعية ترغب فى تحقيق انتاج علمى متميز يرقى بالمنظمة البحثية التى يرأسها محليا وإقليما ودوليا، أن يُعلن الحرب، بلا شفقة ولا رحـمة، على هذه الفئة الضالة المُضللة التى شكلت ولا زالت إرهاب فكري ومعنوي، أصاب معظم أجهزة البحث العلمى الزراعى فى بنيتها التحتية والفوقية وعلاقاتها التبادلية بالوهن والضعف وأفرغها من مضمونها شكلا وموضوعا.

للتواصل مع الكاتب
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *