رئيس التحرير

أرغفة العيش المدعم تكشف هشاشة حياة أرقى شرائح المجتمع

بقلم: د.أسامة بدير

أخبرني صديقي، أستاذ جامعي مرموق، عن تجربة صادمة عاشها بنفسه صباح أحد الأيام، وأثرت فيه بعمق لدرجة أنه لم ينسها. قرر أن يذهب شخصياً للحصول على بضعة أرغفة من العيش المدعم ليكون طازجاً، بعدما كان نجله يتولى هذه المهمة دائمًا. أخذ بطاقة التموين، وانطلق صباحاً، ومعه أفكار كثيرة كانت تراوده، أهمها: كيف سأقف في هذا الفرن بجوار عامة الشعب مختلف المستويات من الطبقات العاملة، للحصول على حقي في الدعم بهذه الطريقة التي اعتبرها مهنية، ومذلة في الوقت ذاته؟

وصل صديقي إلى المخبز، ليجد طابوراً طويلاً لا يقل عن خمسة عشر فرداً، جميعهم يقفون بصبر للحصول على أرغفة العيش. هنا، شعر بالصدمة والذهول، ودمعت عيناه فجأة من هذا الموقف، وبدأت مشاعر الإهانة تتسلل إليه. لم يكن مجرد انتظار للحصول على رغيف خبز، بل كان شعوراً عميقاً بالمهانة والكرامة المهدورة، وسط مشهد يذكره بمدى التفاوت الاجتماعي وغياب العدالة الاقتصادية الاجتماعية.

ما حدث ليس مجرد موقف شخصي، بل انعكاس صارخ لفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في حماية شريحة حيوية من المجتمع. هؤلاء هم أساتذة الجامعات، الباحثون في المراكز البحثية، صناع الحضارة ومقدمو المعرفة، والذين يقودون البحث العلمي التطبيقي، ويشكلون الدعامة الأساسية لشباب مصر ومستقبلها العلمي والاقتصادي. ومع ذلك، يجدون أنفسهم مضطرين للوقوف في طوابير للحصول على أبسط حقوقهم، بسبب ضعف الدخل أو محدودية الموارد.

الصدمة لا تكمن فقط في الانتظار، بل في تدني الكرامة الإنسانية لدرجة تجعل الإنسان يشعر بالحرج أمام نفسه وأمام الآخرين. كيف يمكن للباحثين، الذين يقودون مشاريع التنمية في كل المجالات، أن يحافظوا على احترام الذات إذا كانوا يُهدرون بهذه الطريقة؟ كيف نطلب من الشباب أن يسعوا وراء العلم والبحث، وهم يرون أساتذتهم ومراكز البحث التي يجب أن تكون منارة للمعرفة، تُعامل بالمهانة والحرمان المادي؟

القضية هنا ليست فقط عن رغيف خبز، بل عن قيمة الإنسان ومكانته في المجتمع. هؤلاء العلماء والمعلمون والمفكرون هم قلب العملية التنموية، ومقدار احترامهم يؤثر مباشرة على جودة البحث العلمي والتعليم، وعلى قدرة الدولة على التطور والازدهار. إهانة هؤلاء هي إهانة للمجتمع بأكمله، وتقويض لقدرات الدولة على بناء مستقبل مستدام.

إن ما عايشه صديقي يعكس معاناة شريحة كبيرة من أساتذة الجامعات والمراكز البحثية، والذين، رغم كونهم من أصحاب أعلى المؤهلات العلمية، يعيشون ضيق الحال وصعوبة تلبية أبسط احتياجاتهم اليومية بكرامة. هذه شريحة تمثل العقل المفكر، قلب التقدم، وصناع المستقبل، ومع ذلك يعانون من تهميش اقتصادي واجتماعي يضعهم في مواجهة مباشرة مع ما هو أدنى، في مشهد يبعث على الأسى والقلق.

المسؤولون عن صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في مصر مطالبون اليوم بالنظر بعين الاعتبار لهذه الشريحة الحيوية. توفير دخل كريم، حماية اجتماعية، واحترام الحقوق الإنسانية الأساسية للأساتذة الجامعيين والباحثين في المراكز العلمية ليس رفاهية، بل استثمار في مستقبل مصر. هؤلاء الأشخاص هم من يصنعون شباب المستقبل، ويقودون المشاريع البحثية التطبيقية، ويحققون الابتكار في كل القطاعات، وإذا أهملت دولتهم أو تركتهم يعانون، فإن الضرر لن يطالهم وحدهم، بل ستمتد آثاره على كل المجتمع.

في الختام، العدالة الاجتماعية والكرامة ليست مجرد شعارات، بل أدوات استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة. يجب أن يحصل كل أستاذ، وكل باحث، وكل من يقود المعرفة والبحث العلمي في مصر على حياة كريمة، دخل مناسب، واحترام حقوقه الأساسية. فقط حين نحترم هذه الشريحة، يمكن أن نضمن مستقبلاً مزدهراً، ننهض فيه بالبحث العلمي والتعليم، ونحقق تنمية حقيقية ومستدامة تغمرها العدالة والكرامة الإنسانية.

🔹 تابعونا على قناة الفلاح اليوم لمزيد من الأخبار والتقارير الزراعية.
🔹 لمتابعة آخر المستجدات، زوروا صفحة الفلاح اليوم على فيسبوك.

تابع الفلاح اليوم علي جوجل نيوز

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. هذا ليس طابورًا… هذه شهادة وفاة لقيمة العلم في مصر
    أولًا: المقال يسلّط الضوء على أزمة حقيقية يتجاهلها الخطاب العام: الانهيار المعيشي لطبقة يفترض أنها في قمة السلم العلمي والاجتماعي—أساتذة الجامعات والباحثون. القصة التي يرويها د. أسامة بدير ليست مجرد “واقعة إنسانية”، بل هي مرآة لخلل بنيوي عميق.
    المشهد الذي وصفه—أستاذ جامعي يقف في طابور للحصول على خبز مدعم—يكشف حجم التدهور الذي أصاب منظومة العدالة الاقتصادية، ويضع أمام المجتمع سؤالًا موجعًا:
    إذا كان من يصنعون العقول ويقودون البحث العلمي لا يستطيعون العيش بكرامة، فما الذي تبقى للآخرين؟

    ثانيًا: التجربة التي عرضها الكاتب ليست فردية، وهي لا تعبّر عن «ضعف في الدخل» فقط، بل تعبّر عن فشل ممتد في التعامل مع العلم والعلماء باعتبارهم أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأمن القومي.
    الفكرة الأخطر في المقال ليست الطابور ولا الخبز، بل انكسار الكرامة. عندما يشعر أستاذ جامعي بالإهانة وهو يمارس أبسط حقوقه، فهذا يعني أن المجتمع يهدر أهم “موارد رأس المال البشري” لديه.

    الدول لا تتقدم بالطرق ولا بالمشروعات العمرانية فقط؛ تتقدم عندما يشعر عالمها أنه محترم، ومعلّمها أنه كريم، وباحثها أنه صاحب قيمة حقيقية.
    غياب هذه القيمة يُنتج جيلًا من الشباب يرى أساتذته في حالة عجز؛ فيتراجع الانتماء، وتنهار قدوة المعرفة، وتتسع الفجوة بين التعليم والكرامة.
    ثالثًا: لنضع الأمور بوضوح دون تجميل: 1. ما يحدث هو إساءة متعمدة للطبقة العلمية.
    ليس من المعقول أن تكون رواتب أعضاء هيئة التدريس أقل من تكلفة معيشتهم لدرجة تجعلهم في مواجهة مباشرة مع العوز اليومي. هذا ليس “إهمالًا إداريًا” بل سياسة تراكمية أدت إلى تهميش منهجي للعلميين.
    2 الدولة تخسر عقلها قبل أن تخسر كفاءاتها.
    حين يُهان الأستاذ الجامعي، لا يتضرر هو فقط—يتضرر المجتمع كله.
    تدهور البحث العلمي، انخفاض جودة التعليم، هجرة العقول، ضعف الابتكار… كل هذا يبدأ من هنا.
    3.استمرار الوضع بهذا الشكل يعني انهيارًا صامتًا.
    لا يمكن لدولة أن تبني اقتصادًا حديثًا بينما من يصيغون معارف المستقبل يقفون في طوابير الخبز.
    لا يمكن الحديث عن “تنمية” بينما الباحث يعمل بوظيفتين وثلاث ليكمل مصاريفه.
    4.الكرامة ليست رفاهية، بل شرط وجود.
    قدرة العالم على العطاء مرتبطة بشعوره بأنه ذو قيمة.
    إهانة الأستاذ الجامعي ليست مجرد ظلم…
    إنها خطيئة اجتماعية وسياسية، وثمنها سيكون باهظًا على مستقبل مصر العلمي.
    ختامًا: ماذا نحتاج؟
    إصلاح جذري لدخل الأساتذة والباحثين، بما يناسب دورهم وقيمة علمهم.
    حماية اجتماعية حقيقية، لا تُشعر الأكاديمي أنه يقف على هامش المجتمع.
    استراتيجية وطنية لاحترام رأس المال الفكري، لأن الأمم التي تهين علماءها تُهين مستقبلها.
    المقال رسالة صادمة، لكنه ضروري.
    وما يرويه د. أسامة بدير ليس حكاية، بل جرس إنذار…
    جرس يجب أن يسمعه الجميع قبل فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى