آخر الأخبار

آخرون ثم محمد صلاح

أحمد إبراهيم

بقلم: أحمد إبراهيم

إذاعي وكاتب صحفي

المزارعون محمود السيد من محافظة سوهاج، ومحمود رجب من الجيزة، ورضا رمضان من الدقهلية، وعصام محمد من القليوبية، كرّمهم وزير الزراعة لأنهم حققوا أعلى إنتاجية فى القمح (31 أردباً فى الفدان).

هؤلاء وأمثالهم من الفلاحين، وكذلك العلماء والعمال والصنّاع والمهندسون والضباط والسفراء والمدرسون وعمال النظافة وجامعو القمامة وكل من يقدم خدمات جليلة للبلد أو يؤدى عملاً شريفاً، هم نجوم المجتمع الحقيقيون الذين يجب أن يكونوا قدوة شبابه، لأنه بدونهم لن تكون هناك حياة، ويجب أن يرسخ الإعلام ذلك.

أقول هذا لأننى انزعجت جداً حينما شاهدت نغمة انتشرت فى إعلامنا تطالب الأطفال بأن يكون قدوتهم «محمد صلاح» وكأنه يريد أن يصبح كل شباب مصر لاعبى كرة قدم ويهجروا العلم والعمل الجاد الذى به تُبنى الأوطان وتتقدم الأمم.

بلا شك نحن جميعاً فخورون بنجمنا العالمى المحبوب محمد صلاح الذى حقق الأرقام القياسية فى جمهورية كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى فى العالم.. ومصدر فخرنا ليس فقط موهبته الكروية، فهناك آلاف الموهوبين مثله، ولكن لأخلاقه وتدينه وتواضعه وانتمائه لبلده وصلته لرحمه وأعماله الخيرية، لقد حقق المعادلة الصعبة فى تفوقه الرياضى والأخلاقى، وأنا من المتابعين له جيداً، وإعجابى بتفكيره أكثر من موهبته، فهو لا يتحدث أبداً عن نفسه بل عن الفريق كله، وهذا هو سر نجاحه حتى حينما أحرز 3 أهداف فى مباراة مانشستر يونايتد أكد على روح الفريق والعمل الجماعى التى نفتقدها فى معظم مؤسستنا.

لكن أن يتم اختصار مصر كلها فى شخص لاعب كرة قدم، حتى لو كان الأفضل فى العالم، فهذا أمر غير مقبول لأن الأمم لا تتقدم بـالرياضة، بدليل أن البرازيل، معقل مواهب كرة القدم، أعلنت إفلاسها يناير الماضى، كذلك الدول الأفريقية ما زالت تكتوى بنيران التخلف والجهل والفقر وفيها أفضل لاعبى العالم، فى حين أن الدول المتقدمة مثل أمريكا وروسيا والصين واليابان وسنغافورة وكوريا وماليزيا وكندا وأستراليا وإسرائيل ليس لديهم لاعبون مشاهير ولا أندية معروفة، وربما لا يكون لديها أصلاً كرة قدم، ومع ذلك شعوبها تعيش فى رفاهية ورخاء.

الرياضة بشكل عام تدخل فى إطار الرفاهية والترفيه، ويجب ألا تتجاوز ذلك، يُذكر أن «مانويل جوزيه»، مدرب الأهلى السابق والأشهر، تمرد عليه أحد لاعبى الفريق الكبار ذات مرة، فاستدعاه غاضباً وقال له: أتعجّب من غرورك وكأنك تفعل شيئاً مهماً، أنت لست مدرساً ولا كاتباً ولا طبيباً ولا مهندساً، إنما أنت، وأنا معك، مثل العاملين فى السيرك، وظيفتنا هى إمتاع الناس بعض الوقت حتى ينصرفوا هادئين إلى أعمالهم المهمة التى تضيف إلى الحياة.

‏ما يُقلقنى على مستقبل بلدنا هو أن يكون منتهى أمل الأسرة المصرية أن يصبح أولادها لاعبى كرة قدم أو فنانين ومطربين.

‏ولذلك أصبحت مدارس كرة القدم مكدّسة، واختبارات الأندية أهم من امتحانات الجامعات، وأصبحت القدوة تتمثل فى بعض لاعبى كرة القدم والفنانين والمشاهير، بعد أن كانت قدوتنا العلماء محمد غنيم، وأحمد زويل، ومجدى يعقوب.

‏لاعبو كرة القدم والفنانون يتقاضون ملايين الجنيهات، ومعظمهم مؤهلات متوسطة أو غير متعلمين أصلاً وهم يفيدون أنفسهم فقط، أما أصحاب المهن والوظائف المهمة فيعملون من أجل بلدهم ويفيدون الآخرين رغم أنهم يتقاضون الملاليم، لذلك يجب على الأقل أن يأخذوا حقهم الأدبى والمعنوى وأن يجعلهم الإعلام نجوم المجتمع وقدوة شبابه من أجل رفعة وتقدم بلدنا الغالية

تعليق واحد

  1. تحية كبيرة تليق بهذا المقال الهادف الذى يحدد الداء ويصف الدواء لمجتمع حائر فاقد بوصلة الأمان لمستقبل أولادهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عاجل